رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

القدر فى الدعوة المسيحية

     بدأت الدعوة المسيحية فى عصر فيلون ويوسفيوس ، وذكر السيد المسيح عليه السلام ـ الأرواح الشريرة التى تسكن جسد الإنسان ، ولكنه لم يذكر قط شيئًا يدل على أصول الشر التى وردت فى الكتب الإسرائيلية الأولى ..

     وإنما فصلت العقائد القانون الإلهى والخطيئة الإنسانية وكفارتها على لسان « بولس » الرسول فى عظاته ومحاوراته ..

     وفى رسالته إلى أهل رومية ، يقرر بولس أن أصل الشر فى الإنسان هو عصيان آدم أمر ربه وأكله من الشجرة المحرمة ، وأن الإنسان يعمل الشر لوراثته هذه الخطيئة ، ولا كفارة لها غير الموت ، ولكن الموت لا يحل إلاَّ الجسد ، ولا يحل الروح من هذه الخطيئة إلاَّ بكفارة أخرى : هى كفارة السيد المسيح .. والذين يؤمنون بهذه الكفارة يستحقون الحياة الأبدية .. ولكنه لا يقصر ذلك على اليهود أو بنى إسرائيل ، بل يعم به أبناء آدم وحواء أجمعين .. فكل وارث لهذه الخطيئة يشمله الخلاص بالنعمة الإلهية .

     وقد عاد بولس فى هذه الرسالة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ إلى مثل الخزف والخزاف
( الذى مر بنا فى سفر أشعيا وسفر أرميا ) ، لينفى الظلم عن إرادة الله تعالى .

     ولكن ظهر فى المسيحية بعد بولس طائفتان من المدافعين عن عقائدها : طائفة المجادلين ، وطائفة المسوغين أو المعتذرين .

     وقد إنصرف المجادلون أو كادوا إلى مناقشة أبناء الأمم الأخرى ، وانصرف المسوغون أو كادوا إلى مناقشة اليهود والمعترضين من المسيحيين .

     وكانت أكبر حجج المجادلين أن الله الكامل لا يُسْأل عن الشر ولا يحبه ، وأن الإنسان هو مصدر الخطيئة وعليه وزر جزائها ..

   وكانت أكبر حجج المسوغين على مثال ما تقدم فى رسالة بولس إلى أهل رومية ، وهى الرجوع إلى الأقوال المشابهة لعقائد المسيحية فى أسفار أنبياء بنى إسرائيل ..

   ووُجد مع هذا من الآباء المسيحيين من أنكر وراثة الخطيئة .. وأن باب الخلاص مفتوح لكل من تلقى نعمه السماء وآمن بالسيد المسيح .. وأشهر هؤلاء القس البريطانى
« بلاجيوس » الذى نشأ فى أواخر القرن الرابع الميلادى ، وتنقل بين رومة وأفريقيا الشمالية وفلسطين ، ونادى بدعوته فأنكرتها مجامع المسيحية كلها فى ذلك الحين ، ومنها مجمع قرطاجنة ، ومجمع مليف ، ومجمع أفسس الثالث الذى ختم القرار فى هذه المسائل سنة 431 .

     وعلى هذا أصبح من الباطل فى عُرف تلك المجامع أن يؤمن المسيحى بأن :

  • آدم كان سيموت ولو لم يخطئ .
  • أن خطيئة آدم أصابته وَحْدَه ، ولم تورث فى سلالته .
  • أن الأطفال المولودين لهم من البراءة ما كان لآدم قبل ارتكابه الخطيئة .
  • أن أبناء آدم جميعًا يستحقون البعث لمجرد بعث السيد المسيح .
  • أن الأطفال يستحقون الحياة الأبدية بغير عماد .
  • أن الإنسان قد يخلو من الخطيئة بإتباع الوصايا الصالحة ، واجتناب الخطايا الممنوعة .

     من الباطل فى عُرف تلك المجامع ، أن يؤمن المسيحى بشىء من ذلك .

     وقد أصدرت تلك المجامع قرارها فى عصر القديس « أغسطين » الفيلسوف المسيحى المشهور ، وهو لم يشهد أى واحدٍ منها ، ولكنه أقر ما ذهبت إليه ، وألف لتوضيح فكرته كتابه : « عقاب الخطيئة وغفرانها » .. وخلاصته أن آدم كان حرَّا فى مشيئته فقادته حريته إلى الخطيئة ، وأن نسله ورث عنه هذه الخطيئة ، ولكن العدل الإلهى لم يحرمهم وسيلة الخلاص منها ، وهى كفارة الصليب .

     وليس هذا الاعتقاد بالسهل على الذهن الفلسفى ، حتى ولو كان له إيمان كإيمان القديس « أغسطين » .. فلم يزل يلقى عن هذا الاعتقاد عنتًا شديدًا فى كتاب الاعترافات حيث قال :
« ولكننى إلى ذلك الحين وان كنت أومن بأنك أنت يا ربنا الإله الحق الذى لم يخلق أرواحنا فحسب ، بل خلق أجسادنا ، ولم يخلق أرواحنا وأجسادنا فحسب بل خلق جميع الكائنات وجميع الأشياء منزها عن النقص والتبدل وعن كل اختلاف وتحول . إلاَّ أننى لم أكن أفهم بغير مشقة أو غموض سبب وجود الشر فى العالم . وأرهقت نفسى لكى أفقه ما كنت قد سمعته من أن الإرادة الحرة كانت هى سبب العمل السيئ مِنّا ، هى سبب آلامنا وأوجاعنا ، فلم أقدر على إدراك ذلك إدراكًا جليًّا لا يشوبه الغموض . وكلما حاولت أن أنشل نفسى وأرتفع برؤياى من تلك الهاوية عدت إليها فغرقت فيها ، ثم أكرر المحاولة وأكرر العودة إليها . ولكن هذه الجهود رفعتنى قليلاً إلى ضيائك حتى عرفت أننى أريد كما أننى
أحيا ، وأننى عندما أقبل شيئًا أو أرفضه فإنما أنا نفسى الذى أقبل أو أرفض ولا أحد
سواى . وبدا لى حينئذ أن هذا هو سبب الخطيئة . وكل ما صنعته على خلاف مشيئتى أدركت إذن أننى أحتمله أكثر مما أفعله ، وانه ليس فى الواقع غلطتى بل عقابى . وأرى لعدلك معترفا به أننى لم أعاقب ظلمًا وبغير جريرة
ـ إلاَّ أننى أثوب فأقول ـ ومن الذى خلقنى
هكذا ؟.. أليس هو الله الذى لا يوصَف بأنه كريم فحسب بل هو الكرم المحض والخير كله ؟.. فمن أين لى إذن أن أريد الشر ولا أريد الخير فأعاقب عدلاً بهذا ؟.. من أودع ذلك طبيعتى وغرس فيها بذور المرارة وقد خُلقت بيد الله الحلو الذى لا مرارة فيه ؟.. وإن كان الشيطان هو السبب فمن أين أتى الشيطان ؟.. وإن كان ذلك الشيطان أيضًا قد إنحدر بطبيعته السيئة من ملَك كريم إلى شيطان رجيم ، فمن أين جاءته تلك المشيئة السيئة التى عكست طبيعته فجعلته شيطانا ؟
» .

     ولكن « أغسطين » اعتقد بعد هذا القلق ، أنه ـ فيما يبدوـ قد استراح من وسواسه بهذا التوفيق بين النقائض على نحو ما تقدم … ( يتبع )

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *