رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     نُشر هذا المقال للأستاذ العقاد فى 17/1/1944 بالرسالة ، وقد أُعيد نشره فى مجموعة « الإسلام والحضارة الإنسانية » ـ بيروت 1973 ( تحت رقم 96 دليل مدينة العقاد بالمجلد/1) ، وينصرف موضوعه إلى أنبياء الأديان السماوية الثلاثة : الإسرائيلية والمسيحية والإسلام : موسى ، وعيسى ، ومحمد .

     ويستهل الأستاذ العقاد مقاله بأن الإجماع يكاد ينعقد بين كافة المؤرخين ، على أن الأنبياء الثلاثة ينتمون إلى السلالة السامية ، نسبة إلى « سام » بن نوح ، وشذ عنهم « فرويد » العالم النفسانى الإسرائيلى ، الذى ينسب « موسى » إلى الجنس المصرى القديم ، بينما يقول بعض الباحثين إن الجنس المصرى القديم منحدر من الأصول الأوروبية ، بينما شذ فى أمر المسيح الدعاة الجرمانيون الذين يعتسفون الأنساب لكل عظيم لرده إلى الأصل الجرمانى أو السلالة الآرية على التعميم .

     وهذه الأقوال التى شذت عن الإجماع ، لم يؤيدها أى دليل قاطع ، ولم تتجاوز الأخذ بالظنون . ومن ثم يكاد الإجماع ينعقد على أن البيئة السامية هى البيئة التى ظهرت فيها الأديان الثلاثة ، وأن موسى وعيسى ومحمد جميعا من سلالات الساميين .

     فهل لهذه المزية الجنسية دلالة عامة ! وهل نشأت الأديان الثلاثة بين أبناء الجنس السامى لسبب عنصرى يخص هذه السلالة ، أو لسبب نفسى يرجع إلى طبيعة العقيدة
الدينية ؟

     يعلق الأستاذ العقاد على هذا التساؤل الذى يطرحه ، بأن ما تكلم به المتكلمون على تنوعه ، لا يتسع المقام لتقصيه ، ولكن الثابت أن العقائد الدينية ظهرت فى السلالات السامية يوم كانت تظهر فيهم جميع المعارف الكونية والنهضات الثقافية ، ولا محل من ثم لتخصيص الأديان الثلاثة بالعنصر السامى أو اتخاذ هذه الخاصة دليلاً عنصريا من تلك الأدلة الكثيرة التى تختلط بالعصبيات .

*           *           *

     وليس هذا إنكارًا ـ فيما يقول العقاد ـ للفوارق العنصرية أو استخفاف بآثارها فى اختلاف الأمزجة والأخلاق وتباين المشارب والميول ، ولكن لا يصح أن تُعْزى الأديان إلى الفوارق العنصرية .

     والروحانية بين الأديان الثلاثة ـ لا يصح إسنادها إلى السلالة أو الاستعداد العنصرى .

     فما يقال ـ مثلاً ـ من أن السيد المسيح عليه السلام كان صاحب دعوة روحانية لا تشتغل بشئون الدنيا والمطالب العملية التى تحتاج لفرض الشرائع ، وأن علة ذلك فى رأى بعض الباحثين أن المسيحية تشابه العقائد الآرية التى جعلت الدين للروح والضمير ، ولم تجعله لمطالب الجسد أو مطالب الحياة الاجتماعية والنظم السياسية ـ إنما هو قول يقع فيه خلاف كثير .

     فليس صحيحًا أن الجانب الروحى الذى اهتم به السيد المسيح عليه السلام ـ ليس صحيحًا أنه صرفه عن الجوانب الأخرى التى تناولتها سائر الأديان .

     كما أنه ليس صحيحًا أن الجانب الروحى لم ينل حظه من الاهتمام فى دعوة محمد أو دعوة موسى عليهما السلام .

     هذا إلى أن هناك عللاً كثيرة لاهتمام أو اكتفاء المسيحية الأولى بالمواعظ الأخلاقية ، ومن أسباب ذلك أن بنى إسرائيل كانوا أصحاب شريعة دينية مفصلة فى شئون الحقوق والمعاملات قبل أن تتجه إليهم دعوة السيد المسيح عليه السلام . ومن تلك العلل أنه ظهر عليه السلام فى بلاد يحكمها ويتولى إدارتها الرومان الذين اشتهروا بالنظم والشرائع وتبويب الأوامر والقوانين ، وأن ذلك رجح أن تنصلح الأخلاق والضمائر ـ بالعظة والهداية الروحية على السنة التى اختارها السيد المسيح ، وكان يختارها فى مكانه كل داع إلى دين جديد يقوم ما فسد ـ بالإقناع وإيقاظ الضمير .

   وهذه العلة كافية فيما يرى العقاد ـ لتعليل الصبغة الروحانية التى غلبت على المسيحية .

*            *           *

     أما الإسلام ، فلم يكن معقولاً أن ينحصر فى المواعظ الروحانية دون غيرها ، لأن العرب لم يدينوا بشريعة عامة مفصلة قبل الإسلام تغنيهم عن الحاجة إلى تشريع جديد ، ولأن الإسلام قد تولى الحكم كما تولى الهداية النفسية ، فلا مناص هنا من إقامة القواعد وبيان الحقوق وتقرير الأحكام فى شئون المعاملات وكل ما يعرض فى شئون الحياة .. ومع ذلك فإن المواعظ الروحانية أخذت نصيبها الواضح فى القرآن وفى سنة نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام .

     أما موسى عليه السلام ، فقد غلبت عليه الصبغة العملية ، لأنه فى قيادته لبنى إسرائيل ـ كان فى مقام الزعيم الذى يسوس تلك القبائل بالشرائع المرعية فى زمانه والشرائع التى اقتضاها خروجه من ديار مصر إلى ديار أخرى ، فاهتم بتسجيل الشرائع المصرية والإسرائيلية والموسوية ، واهتم إلى جانب ذلك بمصالح قومه ، لأن العمل الأكبر الذى تصدى له إنما هو إنقاذ إخوانه فى العنصر والعقيدة ، وهو عمل وطنى مقدم فى زمانه على الوصايا الإنسانية العامة .

     وعلى ذلك فإن معالم العقائد وأسرار نجاحها فى زمانها ومكانها ، لا تُرَد إلى فوارق عنصرية ، وإنما إلى العلل الكونية التى جرى عليها نظام الوجود ، ولأن الأسرار الإلهية التى توحى بها الأديان ـ لن تناقض المعقول من سنن الكون وفطرة الأشياء .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *