فى مدينة العـقاد (217) ـــ عبقرية محمد

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

العبقرية الإدارية

تدبير الشئون العامة :

     على أن الإدارة العليا إنما تتجلى ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ فى تدبير الشئون العامة حين تصطدم بالأهواء وتنذر بالفتنة والنزاع . فالإدارة ليست مجرد نصوص وآليات , بل هى فى كثير من الأحيان علاج نفوس وقيادة أخطار لا أمان فيها .

     وذلك هو المجال الذى تجلت فيه العبقرية المحمدية فى حلول التوفيق واتقاء الشرور , واهتدائه دومًا إلى أعدل الآراء وأدناها إلى السلم والإرضاء .

   صنع ذلك قبل البعث , حين حل مشكلة التنازع على مَن مِن البطون القرشية يغنم وضع الحجر الأسود فى مكانه بالكعبة , فوضعه بثوب شاركت البطون جميعها فى حمله بالإمساك بأطرافه , حتى صاروا أمام الكعبة , فأخذه عليه الصلاة والسلام بيده ووضعه فى مكانه .

     وصنع شيئًا من ذلك يوم وصوله مهاجرًا إلى المدينة , وتسابقت القبائل لاستضافته , فترك للناقة خطامها وقال لهم دعوها فإنها مأمورة , وتفادى بذلك ما يمكن أن يدفع إليه التنافس بين قبائل الأنصار .

     ويوم غضب الأنصار لتأليفه عليه الصلاة والسلام بعض القرشيين الذين أسلموا بآخرة , فقال للأنصار : « أوجدتم يا معشر الأنصار فى لعاعة من الدنيا ( البقية اليسيرة من الشىء ) تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ .. ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ .. فو الذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار . اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء
الأنصار … » .

   وتقول كتب السيرة إن الأنصار ما كادوا يسمعون هذه الكلمات , حتى إنثالت عبراتهم , وفاضت بالدمع مآكيهم , وذهب غضبهم وفرحوا أن يرجعوا برسول الله عليه الصلاة والسلام إلى مدينتهم , ليمكث بينهم إلى أن لاقى ربه , وقد كان .

   ومجمل القول إنه عليه الصلاة والسلام كان يسوس الإدارة وتدبير الأمور بعبقرية إدارية ساست بالنظام وبالتبعة , وبالاختصاص وبالسماحة , فاكتملت بها وبوحى النبوة أكمل الخلال فى إدارة الإعمال .

البليغ

     يبدأ الأستاذ العقاد هذا الفصل , بعبارة النبى عليه الصلاة أو لازمته : « اللهم قد بلغت » , وهذه اللازمة فيما يرى عظيمة الدلالة فى مقامها , فقد لخصت حياة كاملة فى كلمات معدودة , فما كانت حياته عليه السلام إلاَّ حياة تبليغ وبلاغ .

   ولصدق هذه الدلالة , ترى أن السمة الغالبة على أسلوبه , كانت سمة الإبلاغ قبل سمة أخرى .

     وكلامه عليه السلام المحفوظ إما معاهدات ورسائل , وإما خطب وأدعية ووصايا وأجوبة عن أسئلة . والإبلاغ هو السمة المشتركة فى أفانين الكلام كله , حتى ما جرى مجرى القصص كقصة أصحاب الغار الثلاثة الذين توسلوا بصالح الأعمال لتفريج كربتهم , وينقلها الأستاذ العقاد كما وردت بصحيح مسلم , والتى ختمت روايتها بعظة بليغة تبين أسلوبه عليه السلام فى التعليم بالقصص .

توجيه الأمراء والولاة :

   عن أسلوبه عليه الصلاة والسلام فى توجيه الأمراء والولاة , يسوق الأستاذ العقاد من صحيح مسلم « كان رسول الله إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال : اغزوا باسم الله فى سبيل الله . قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلو ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا . وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم . ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين , وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين » .. إلى آخر ما ورد فى هذه الوصايا التى تنم عن أسلوبه الحكيم الإنسانى فى توجيه الأمراء والولاة .

   وكان عليه السلام صاحب أسلوب فى رسائله إلى الحكام , ويختار الأستاذ العقاد تدليلا على هذا الأسلوب رسالته إلى النجاشى , وفيها يقول : « سِلمُ أنت . فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو , الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن , وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت عيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه . وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له , والموالاة على طاعته , وأن تتبعنى وتؤمن بالذى جاءنى فإنى رسول الله …. والسلام على من اتبع
الهدى » .    
(يتبع)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *