فى مدينة العـقاد (216) ـــ عبقرية محمد

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

العبقرية الإدارية

   ملكات شخصية :

     يحفل الإسلام بأحكام كثيرة مما يندرج فى تصرفات رجال الادارة طبقاً لمسميات اليوم ، وفيه وصايا كثيرة عن المعاملات كالمساناة ( من أسناها ـ مصدر سانى ، مُساناة وسِناء ، وتعنى حسن العشرة ، والاستئجار) ، والاستقراض ، والشفعة ، والتجارة وسائر شئون المعيشة الاجتماعية التى يقتدى بها المشترعون فى جميع العصور .

     وينوّه الأستاذ العقاد أنه لا يتغيّا سرد أحكام الفقه وبسط وصايا الدين ، فيمكن لمن يشاء الرجوع إليها مشروحة فى مواطنها ، ولكنه يريد أن يعرض لأعمال محمد عليه الصلاة والسلام ووصاياه من حيث تعبيرها عن ملكاته الشخصية وسلائقه النفسية .

     وبداهة ـ فيما يذكرـ أن لا يعنيه مثلا الحديث عن الادارة من حيث هى نصوص منشورات ولوائح الذى تدار بها الدواوين ، وإنما يعنيه « الملكة الإدارية » من حيث هى أساس فى التفكير الذى يصح بناء الإدارة كلها عليها .

     والسليقة المطبوعة على انشاء الادارة النافعة ـ هى السليقة التى تعرف النظام ، وتعرف التبعة ، وتعرف الاختصاص بالعمل فلا تسنده إلى كثيرين على الشيوع يتولاه كل منهم على هواه .

     كان عليه الصلاة والسلام يوصى بالرياسة حيثما وجد العمل الاجتماعى أو العمل المجتمع الذى يحتاج إلى تدبير . ومن حديثه المأثور : « إذا خرج ثلاثة فى سفر فليؤمّروا أحدهم » وفى رواية أخرى : « إذا كنتم ثلاثة فأمّروا أحدكم ».

     ومن أعماله المأثورة إسناد القيادة إلى أصيل ، يتلوه آخر ثم آخر ، إذا ألمّ به ـ ومن يتلوه ـ ما يقعده عن القيام بواجبه . وكان قوام الرئاسة عنده شرطان : الكفاءة والحب ، ويقول : « أيما رجل استعمل رجلاً على عشرة أنفس علم أن فى العشرة أفضل ممن استعمل ـ فقد غش الله وغش رسوله وغش جماعة المسلمين » .

   والحب معلم رئيسى من معالم الأداء ، حتى فى الصلاة ، فيقول عليه الصلاة والسلام : «أيما رجل أَمَّ قومًا وهم له كارهون ـ لم تجز صلاته أذنيه » .

     وكان إلى عنايته عليه الصلاة والسلام ـ بإسناد الأمر إلى أهله ، حريصًا على تقدير التبعات ما كبر منها وما صغر . فالكل راعٍ وكل راعٍ مسئول عن رعيته , يسرى ذلك على الأمير ، ويسرى على الرجل فى بيته , وعلى المرأة التى ترعى بيتها وأسرتها المسئوله عنها ..

     ومع أن أوامر الإسلام ونواهيه كانت معروفة لطائفة كثيرة من الأنصار والمهاجرين ، إلاَّ أنه ـ عليه السلام ـ لم يترك أن يدّعى لنفسه سلطة فى إقامة الحدود ، أو إكراه الناس على طاعة الأوامر واجتناب النواهي .

     ولما أراد أن يصادر الخمر ، نهج فى ذلك منهجا يقصد به إلى التعليم والاستنان كما جاء فى رواية ابن عمر حيث قال : « أمرنى النبى r أن آتيه بمدية ، فأتيته بها ، فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها فقال اغد علىّ بها . ففعلت ، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام فأخذ المدية منى فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطنيها ، وأمر الذين كانوا معى أن يمضوا معى ويعاونونى ، وأمرنى أن آتى الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ففعلت ، فلم أترك فى أسواقها زقًا إلاّ شققته » .

     ويعلق الأستاذ العقاد بأن هذا « هو تصرف المدير ـ بعد تصرف النبى ـ الذى يبين الحرام ويبين الحلال ، فشُرب الخمر وبيعها ونقلها حرام يعلمه جميع المسلمين ، من تفقه منهم ومن لم يتفقه فى الدين ، ولكن المحرمات الإجتماعيه ينبغى أن تكون فى يد ولى المسلمين لا فى يد كل فرد يعرف الحلال والحرام .. وليست المسألة هنا مسألة تحريم وتحليل ، ولكنها مسألة إدارة وتنفيذ فى مجتمع حافل يشتمل على شتى المصالح والأهواء ، ولا يصاب ببلاء هو أضر عليه من بلاء الفوضى والاضطراب واختلاف الدعاوى و انتزاع الطاعة وتجاهل السلطان ، فلم يكتف النبى r بصريح التحريم فى القرآن , ولا اكتفى بإسناد الأمر إلى غير معروف الصفة فى تنفيذ الأحكام ، بل خرج بنفسه ثم أمر رجلاً بعينه وأناسًا بأعينهم أن يمضوا فى إتمام عمله ، ولم يجعل ذلك إذنًا لمن شاء أن يفعل ما شاء » .

     ومن حفز النظام ، واتقاء الفوضى ، تحديده الضوابط ليبقى كل فى إطاره لا يتعداه ، فأوجب السمع والطاعة ما لم يكن الأمر بمعصية ، وأوجب ألاّ ينازع الناس الأمر أهله إلاَّ أن يروا كفرًا بواحًا وبشرط أن يكون عندهم فيه من الله برهان ، حتى لا يعطى أحدٌ لنفسه حق الحكم على الآخرين . ومن قوله : « الإمام الجائر خيرٌ من الفتنة وكل لا خير فيه وفى بعض الشر خيار » . إلى أحاديث فى هذا المعنى هى جماع الضوابط التى تقوم عليها الإدارة الحكيمة .

     هذا الإلهام النافذ السديد فى تدبير المصالح العامة ، هو الذى أوحى بما يسمى فى عصرنا بالحجر الصحى فى مواجهة الطاعون ، فقال عليه الصلاة والسلام :« إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها ، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها » .. وهى وصية من ينظر فى تدبيره إلى العالم الإنسانى بأسره . 

( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *