فى مدينة العـقاد (215) ـــ عبقرية محمد

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

العبقرية السياسية

     يبدأ الأستاذ العقاد هذا الفصل بالإشارة إلى أن النبى عليه الصلاة والسلام تولى أعمالاً كثيرة مما يطلق عليه لفظ السياسة فى عموم مدلوله ، ولكنه لا يعرف عملاً يدخل فى جميع هذه المفاهيم أكثر من « عهد الحديبية » فى مراحله جميعًا .

     اختار العقاد إذن هذا العهد نموذجًا للتدليل على معالم العبقرية السياسية التى يريد إظهارها ، ومن أمارات هذه العبقريـة ومن البداية ، أنه إذ خرج بالمسلمين حاجًا مسالمًا ، إلاَّ أنه لم يصد من أرادوا الخروج للحج من غير المسلمين .. وكان ذلك شائعًا فى ذلك الزمان ، فجعل بذلك له وللعرب أجمعين قضية واحدة تجاه قريش ، وأفسد على قريش ما تتعمده لإثارة نخوة العرب لصالحها ولتوجيهها لمناوأة محمد والرسالة الإسلامية ، ومن ثم أفسد على قريش ما تتعمده من إغضاب العرب على الإسلام .

     وقد خرج النبى عليه الصلاة والسلام فى رحلة الحديبية حاجًا لا غازيًا ، وأثبت ذلك بالقول وبالشواهد ، وأثبت نية السلم بالتجرد من السلاح إلاَّ ما يؤذن به لغير المقاتلين .

     وبهذا لم يفصل فقط بين قريش والعرب فيما تريده ، بل وفصل بينها وبين من معهم من الأحابيش ، وجعل الزعماء وذوى الرأى يختلفون فيما بينهم على ما يسلكون لدفعه أو لقبوله أو لمهادنته .

     وعندما اتفق الطرفان ـ المسلمون وقريش ـ على التعاهد والتهادن ، تجلت سياسته عليه السلام فى غاية القدرة و« الدبلوماسية » ( بلغة عصرنا ) فى التعامل مع شروط قريش .

     حين اعترض سهيل بن عمرو مندوب قريش على ما أملاه عليه الصلاة والسلام ليكتبه على بن أبى طالب فى صدر الوثيقة ، بأنه لا يعرف الرحمن الرحيم ، طالبًا كتابة « باسمك اللهم » ـ لم يعترض عليه الصلاة السلام ، وقال لعلى : أكتب باسمك اللهم .

   ثم قال لعلى : أكتب ( هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو ) .

     فقال سهيل : أمسك ! لو شهدت أنك رسول الله ما قاتلتك ، ولكن أكتب اسمك واسم أبيك .

وقد روى أن عليًّا تردد ، ولكن النبى عليه السلام مسح ما كتبه بيده ، وأمره أن يكتب محمد بن عبد الله ..  

     ثم تعاهدوا على أن يرد محمد من يأتيه من قريش بغير إذن وليه ، وألاَّ ترد قريش إليه من يأتيها من المسلمين . وأنه لا جناح على من يريد محالفة أى طرف من الطرفين ، وأن يرجع محمد وأصحابه عن مكة فى عامهم هذا على أن يعودوا إليها فى العام الذى يليه ، ويقيموا بها ثلاثة أيام ومعهم السيوف فى القرب ولا سلاح غيرها .

     ولو كان عهد الحديبية هذا قد كتب إثر قتال إنهزم فيه المشركون وانتصر المسلمون ، لوجب أن يكتب بغير هذا الأسلوب . ولكنه كان تعاهدًا ومهادنةً .

     ولو أن النبى عليه الصلاة والسلام شرط على قريش أن ترد إليه من يذهب إليها من المسلمين ، لنقض بذلك دعوى الهداية الإسلامية ، فضلاً عن أنه لا حاجة له فيمن يتركه ويقصد قريشًا طائعًا .

     ولم تنقض فترة وجيزة حتى أدركت قريش أنها الخاسرة فيما شرطته ، وأدركت أن من رفض محمد قبولهم ـ التزامًا بالعهد ـ ممن قصدوه ، قد تحولوا إلى شوكة فى جنب قريش وفى طريق القوافل ، فى حين أن أحدًا من المسلمين لم يترك محمدًا ليقصد قريشًا !

     وكان تمام هذا العهد إيذانًا للجزيرة العربية بوضع الإسلام والمسلمين ، وعرف من لم يعرف أنه يستطيع أن يحالف النبى عليه السلام إذا أراد ، واستراح المسلمون من قريش ليتفرغوا للمناوآت التى تأتيهم من يهود خيبر وللممالك الأجنبية التى أرادوا إرسال الرسل إليها للدعوة إلى الإسلام .

     يوم اتفاق الحديبية نزلت الآية : « إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا » (الفتح 1 ـ 3) ، ولم يفقه الكثيرون معناها يوم نزلت ، ولكن لم يمض عام إلاَّ وعرفوا أنه الفتح المبين الذى تم بغـير سـيف ولا قتال ، وأنه كَشَفَ عن حقيقـةٍ لم يفهمها يومها من لا يحسنون النظر إلى بعيد .

الفتح المبين :

     كان ما تحقق فى عام الحديبية ، فتحًا مبينًا ، لا يراه الناظر بعينه فى ذلك الوقت ، ولكن يراه الناظر بعين الغيب .. على أنه فى سنةٍ واحدة صار متاحًا للناظرين بعيونهم أن يروا صدق ما جاء بسورة الفتح ، وأن ما تحقق يوم ذاك هو بالفعل فتح مبين كان له النصر الذى وعدت به الآيات .

     ففى السنة التالية ، نادى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أصحابه أن يتجهزوا للحج ولا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية ، فخرجوا جميعًا تملأهم الأشواق بعد الصبر والانتظار ، لم يتخلف إلاَّ من أدركته الوفاة خلال العام ، وخرج معهم جمع كبير ممن لم يشهدوا الحديبية يتبعهم النساء والأطفال ، وساقوا أمامهم ستين بدنة مقلدات للهدى ، وقد جمعوا السلاح ، وعلى رأسهم مائة فارس يقودهم محمد بن سلمة .

     ولما انتهى الرسول عليه السلام وصحبه إلى ذى الحليفة ، فزعت قريش حين علمت بالنبأ ، وبعثت تستفسر عن السلاح لماذا ليس فى القرب ، فأجابهم عليه الصلاة والسلام أنه حمله من باب الاحتياط فى الطريق ، ولن يدخل به مكة .

     ثم أقبل عليه الصلاة والسلام على ناقته القصواء ، وجموع المسلمين محدقون به ، يلبون ويهللون ، وعبد الله بن رواحه الأنصارى ينشد أبياتًا وهو آخذ بزمام القصواء ، وأوشك وقد هزته النخوة أن يصيح صيحة الحرب ، فنهاه عمر رضى الله عنه ، وأمره عليه الصلاة والسلام بأن ينادى ولا يزيد : « لا إله إلاَّ الله وحده ، نصر عبده ، وأعز جنده ، وخذل الأحزاب وحده » .. فرفع أبو رواحه بها صوته الجهير ، ومن ورائه المسلمون يرددون ، لتهتز بالتلبية جنبات الوادى .

     وكان هذا هو الفتح الذى بصر به عيانًا من لم يره يوم الحديبية بنور البصيرة ، وأسلم من الضعفاء والأقوياء من كان عصيًّا على الإسلام ، ودخلوا فى رحاب الإسلام .

     وهكذا تجلت عبقرية محمد فى سياسة الأمور كما تجلت فى غيرها ، وكان من نفاذ سياسته أن قبل العهد الذى كبر على أقرب المقربين من عترته ، ووصل بذلك إلى القصد الذى توخاه .

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *