فى مدينة العـقاد (214) ـــ عبقرية محمد

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

القائد البصير

     لم يكن الإسلام دين قتال , ولم يكن النبى رجلاً مقاتلاً يطلب الحرب أو يطلبها وله مندوحة عنها , ولكنه كان مع هذا نعم القائد البصير إذا فرضت عليه أو دعت إليها ضرورة لازمة للمصلحة , ويعلم من فنونها بالإلهام ما لم يعلمه غيره بالدرس والمرانة .

   كانت موقعة بدر هى التجربة الأولى , فلم يأنف من الاستماع إلى مشورة الحباب بن المنذر والانتقال إلى حيث اقترح حتى لا يصادر المشركون على المياه ويحتجزونها دون المسلمين .

     ويعقد الأستاذ العقاد مقارنات مع نابليون بونابرت أبرع القادة المحدثين , ليسجل بعدها أن محمدًا عليه الصلاة والسلام كان يعمد إلى القوة العسكرية حيث أصابها ليقضى على عزائم الأعداء المتربصين بالمسلمين , ولا يدع هذا إلاَّ إذا كان الهجوم وبالاً كما حدث فى غزوة الخندق التى أحاطت فيها الأحزاب بالمسلمين فى المدينة ..

   وكان لا يهمل المبادرة حين تكون لازمة , ولا يتعالى على رجاحة رأيه من أن يستشير أصحابه فى الخطط والحيل , من ذلك قبوله مشورة الحباب فى بدر , وسلمان الفارسى فى الخندق , نعيم بن مسعود الغطفانى فى تفرقة كلمة قريش ويهود المدينة الذين تآمروا مع المشركين على المسلمين من وراء ظهورهم ..

     وكان عليه السلام أعرف الناس بفعل الدعوة فى كسب المعارك وتغليب المقاصد , ولم يتخذ عليه السلام الحرب صناعة , أو وسيلة للدعوة والعقيدة , وعرف كيف يدفع الإغارات , وكيف يحقق سرية الحركة بما يسمى الأوامر المختومة فى الأساليب الحديثة , كما كان من أمر الكتاب الذى أعطاه لعبد الله بن جحش وأمره ألا يفضه إلاَّ بعد مسيرة يومين والوصول إلى بطن نخلة .

     وعرف من أصول الاستطلاع أن المحارب قد يحارب وهو مكره مهدد , ولكنه لا يستطلع وهو مكره . وتجلت حكمته فى اشتراط الرغبة والطواعية واجتناب القسر والإكراه فى بعثات الاستطلاع وفى المهام الخطرة , وسبق إلى حلول لسداد المغارم وتبادل الأسرى اهتدى إليها القانون الدولى بعد مئات السنين .

     ومن إلهام خبرته , أنه لم يكن يغفل إقناع خصمه والناس بحقه , ولم يكن يقعد عن إضعاف عزيمة خصمه وإيقاع الشتات فى صفوفه , كما حدث فى إذنه لنعيم بن مسعود الغطفانى فى القصة المعروفة .

قائد بغير نظير :

   يعول الأستاذ العقاد فى استخلاص ذلك على « فكرة القائد » لا على ظواهر وأشكال وأحجام المعارك التى تضخمت فى العصر الحديث . والنظر إلى هذه الفكرة قد يرينا براعة فى القيادة فى توجيه ألف رجل لا تراها فى توجيه المليون بإمكانيات الآلات والاختراعات . وهذه الفكرة ترينا أيضا القدرة فى توجيه ما بين يدى القائد من قوى الرأى والسلاح والكلام .

   ويزيد الشهادة على قدرته عظمًا ـ أن الرجل الذى يجتنب القتال فى غير ضرورة , رجل شجاع غير هياب .

   لم تجر فضيلة فيه على فضيلة الشجاعة , فكان دومًا فى الطليعة لا يتوارى وراء رجاله , حتى كان على ابن أبى طالب فارس الفرسان يقول : « كنا إذا حمى البأس اتقينا برسول الله r , فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه » , ولولا ثباته عليه الصلاة والسلام فى وقعة حنين وقد ولت جمهرة الجيش , لحقَّت الهزيمة على المسلمين .

   فإذا كان القائد خبيرًا بالحرب قديرًا عليها غير هيّاب لمخاوفها , ثم اكتفى منها بالضرورى الذى لا محيص عنه , فذلك هو الرسول تأتيه الشهادة بالرسالة من طريق القيادة , وتأتى جميع صفاته الحسنى تبعًا لصفات الرسول .

خصائص العظمة :

   من خصائص العظمة التى تدعو إلى العجب , أنها قد توصف بالنقيضين فى وقت واحد , لأنها متعددة الجوانب , ولأنها بعيدة الأغوار فلا يسهل استبطانها لكل ناظر .

   ومن خصائص العظمة النبوية فى محمد عليه الصلاة والسلام , أنه وصف بالنقيضين على ألسنة المتعصبين من أعداء دينه , فهو عند بعضهم صاحب رقة تحرمه القدرة على القتال , وعند آخرين صاحب قسوة فيها إهدار للدماء ..

   فإذا كانت شجاعته عليه السلام تنفى الشبهة فى رقة الضعف , فإن حياته كلها وإنسانيته من طفولته الباكرة إلى ختام حياته تنفى شبهة القسوة والجفاء .

   ولا يتوقف العقاد كثيرًا عند الحوادث التى ذكرها المتعصبون ضده وضد الإسلام للاستدلال بها على القسوة أو على إهدار الدماء . ولكنه يتوقف عند واقعتين : مقتل كعب بن الأشرف , وأسرى بدر .

     فأما كعب بن الأشرف , فمجمل القول فيه أنه رفع راية الحرب الفعلية ضد الإسلام والمسلمين , يهجوهم , ويقدح فى دينهم , ويؤلب عليهم , ويتآمر لقتل النبى , ويدخل فى كل دسيسة مناقضًا للعهد المعقود مع قومه بنى النضير , ويؤلب مع قومه العرب ضد المسلمين , ويشبب بنسائهم ويفترى عليهن , فكان فى الواقع محاربًا كما وصفته امرأته ذاتها , وتحق عليه من ثم معاملة المحاربين .

     وماحق عليه يتفق مع حكم القانون الدولى فى أحدث العصور , ومع ما تفرضه من عقوبة قوانين العصر الحديث .

     وكان الحكم فى شأنه حكم « ضرورة » فرضها هو بحربه التى شنها على الإسلام والمسلمين , وليس فى توقيع حكم الضرورة قسوة ولا رحمة , لان المرجع فيها إلى الضرورة التى فرضته .

     أما بعض أسرى بدر ، فلم يكن أمرهم ككل أسرى ، وإنما كانوا من الذين أمعنوا فى الكيد للإسلام وتعذيب المسلمين بأشد أنواع العذاب ، والتنكيل بهم بكل أساليب التنكيل والظلم والإعنات .. فكان أمر هذه القلة كأمر القصاص الواجب ، ويغفل المتعصبون المتهجمون موقف الإسلام والرسول عليه السلام من أسرى بدر بعامة ، ومن أٌطلقوا بغير فداء فعادوا يحاربون الإسلام ، ومن اكتفى فى فدائهم بتعليم أبناء أهل المدينة القراءة والكتابة ، وقبول الفداء فى الباقين وإطلاقهم فى سلامة ، وما نزل فى الأسرى « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا » ( محمد 4 ) , وما نزل فى وصف المؤمنين « وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا » ( الإنسان 8 ) ، وظنى أنه كان هناك كلام كثير أكثر مما أورده الأستاذ العقاد للرد على هذا التهجم الضرير ، وأحيل من يريد التوسع على كتابى عالمية الإسلام من ص 147 حتى ص 180 .   (يتبع)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *