فى مدينة العـقاد (213) ـــ عبقرية محمد

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

العبقرية العسكرية

     ربما لو كان الاختيار لى ، لاخترت عنوانا لهذا الفصل غير هذا العنوان ، لما قد يحدثه من لبس لا يتفق مع إلهام النبوة ، التى هى المناط لا العبقرية البشرية .. وربما كان الأنسب تسميته « الشخصية المحمدية فى مواجهة الحروب التى فرضت عليه » ، بل ربما كان هذا أنسب لعنوان الكتاب كله ، مع التوسع فى موضوعه ومادته ، ليضم إلى جوار « الشخصية المحمدية » ـ إلهام النبوة ، والوحى الإلهى .

     فهكذا هو رسول القرآن عليه الصلاة والسلام .

     ويبدو أن الأستاذ العقاد لاحساسه بإحتمال اللبس فى العنوان ، بدأ ببيان أنه يريد فى هذا الفصل أن يقول إن محمدًا كان على اجتنابه العدوان ، يحسن من فنون الحرب ما لم يكن يحسنه المعتدون عليه ، ولا بأس من المعنى حسبما بسطه العقاد ، وكان ـ فى ظنى ـ فى غنى عن اختيار هذا العنوان الذى اعتقد أنه أخطأه التوفيق ، وربما دفعه إليه العنوان العام الذى اختاره للكتاب كله ، أنه يتحدث فيه عن « عبقرية محمد » .

     ونعود إلى ما اراد الأستاذ العقاد أن يبسطه عن الفهم المحمدى لفنون الحرب اكثر من فهم الذين تربصوا بالإسلام واعتدوا عليه ، وهو يشير هنا إلى أن الإسلام اجتنب القوة كشأن كل دين ، ولكنه يؤكد على أنه ما كان لينتصر بالقوة لو لم يكن إلى جانب ذلك صالحًا للإنتصار . وظنى أنه لا ينتقص من الإسلام ورسوله أن يكون النصر من عنده الله ، لا من كفاءة حربية أو عبقرية عسكرية .

     على أن الأستاذ العقاد سرعان ما تجاوز هذه النقطة ، ليدرأ عن الإسلام أى شبهة للعدوان ، ويسوق فى هذا عدة حقائق .

     الحقيقة الأولى ، أن مطعن القائلين بأن الإسلام دين قتال كان يمكن أن يصدق ـ لو صدق ، وهو ليس بصادق ، لو أن القتال صاحب الإسلام من بداية عهده ، ولكن الواقع أن الإسلام فى بداية عهده لم يحارب أحدًا ولم يبادئ أحدًا بحرب ، ثم لم يؤذن لهم بعد ذلك إلاَّ بقتال من قاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم ، ولا يزيدون على ذلك . وفى ذلك يقول القرآن المجيد : « وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ »
( البقرة 190 ) .

     وقد سبق هذه الآية آية أخرى أكثر دلالة فى السياق التاريخى ، بعد ان أكره المسلمون على الخروج من ديارهم والهجرة إلى الحبشة أولا ثم إلى يثرب ، وفى ذلك يقول الحق جل شأنه : « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » ( الحج 39 ، 40 ) .

     والآية التى إختار الأستاذ العقاد أن يبدأ بها ، من دلالتها المهمة أيضا أن الإذن بالقتال مشروط بألاَّ يمتد إلاَّ إلى الذين يقاتلون المسلمين ، ومشروط ثانيا بعدم العدوان ، بقوله سبحانه وتعالى : « وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ » ( البقرة 190 ) .

     وفى آية أخرى يشير القرآن المجيد إلى أن المسلمين كانوا لا يحاربون إلاَّ من لا يُؤْمن عهده ولا يُتّقى شره بالحلف والمسامحه فيقول تعالى : « وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ » ( التوبة 12 ) .

     ويضيف الأستاذ العقاد أن المسلمين صبروا على المشركين حتى أمروا أن يقاتلوهم كافة كما يقاتلون المسلمين كافة ، وأنهم من ثم لم يكن لهم قط عدوان ولا إكراه .

     والحروب التى خاضها المسلمون ، كانت كلها حروب دفاع ، ولم تكن منها حرب هجوم إلاَّ على سبيل المبادرة بالدفاع بعد الإيقان من نكث العهد والإصرار على القتال ، أو ما يسمى فى اصطلاحات اليوم بالحروب « الوقائية » التى لا مندوحه عنها لصد هجوم مرتقب مؤكد .

     وربما كانت غزوة تبوك دليلاً مزدوجًا على ذلك ، فالخروج كان من قبيل « الوقاية » عندما أتت الأخبار بحشود لمهاجمة تخوم الإسلام ، فلما استبان أن الحشود انفضت ، عاد المسلمون دون أن يبادئوا أحدًا بقتال .

     والحقيقة الثانية ، أن هذا لحروب الدفاعية ، لم تكن لوضع السيف بديلا للحجة فى مجال البرهان والإقناع .

     ولم يكن سادة قريش أصحاب فكرة يعارضون بها العقيدة الإسلامية ، وإنما كانوا أصحاب سيادة موروثة يريدون استمرار فرضها على المسلمين بغير حق .

     وتبين بالتجربة مع عظماء الأمم الأخرى وملوكها وأمراءها ، أن سلطتهم هى التى كانت تصد عن سبيل الله وتحول دون الدعوة المحمدية والوصول إلى الناس ، ولم تكن هذه السلطة أفكار مفكرين ولا مذاهب حكماء ، ومن التجارب التى دل عليها التاريخ الحديث كما دل عليها التاريخ القديم ، أن محاربة السلطة بالقوة غير محاربة الفكرة بالقوة .

*         *         *

     والحقيقة الثالثة ، أن الإسلام لم يحتكم إلى السيف قط إلاَّ فى الأحوال التى أجمعت شرائع الإنسان على تحكيم السيف فيها ..

     الدول قديمًا وحديثًا ، تواجه الفتن والثورات ، بالقوة والسلاح .. وهى مواجهة المضطر لدرء الفتنة وتداعياتها وأضرارها ـ وقد عبر القرآن الحكيم عن ذلك أبلغ تعبير وختمه بنهى صريح عن الاستمرار فى محاربة الفتنة إذا انتهت أسبابها وتوقف الظالمون عنها ، فيقول تعالى : « وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ » ( البقرة 193 ) .

     وهو شأن العلاج الذى لا مفر منه إذا تقاتلت طوائف الأمة ، بحيث لا يكون هناك مندوحة عن فض هذا القتال ، وفى ذلك يقول القرآن الحكيم : « وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » ( الحجرات 9 )

     وفى هذه وتلك ، لا يكون السلاح ـ إن كان ـ إلاَّ باعتباره الوسيلة الاحتياطية التى لا مندوحة عنها ولم يعد هناك من حيله فى وقف الضرر المحيق إلى باللجوء إليها .   ( يتبع )

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *