فى مدينة العـقاد (212) ـــ عبقرية محمد

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      فى قصة إسلام عمر بن الخطاب ، روى ابن إسحق فقال : «.. خرج عمر يوما متوشحًا بسيفه يريد رسول الله ورهطا من أصحابه .. قد اجتمعوا فى بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء ، ومع رسول عمه حمزة بن عبد المطلب ، وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق ، وعلى بن أبى طالب ، فى رجال من المسلمين رضى الله عنهم ، ممن كان أقام مع الرسول بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة . فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له : « من تريد يا عمر ؟.. »  

     فقال: « أريد محمدا هذا الصابئ الذى فرَّق أمر قريش ، وسفَّه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب آلهتها ، فأقتله » .

     فقال نعيم : « والله لقد غرتك نفسك يا عمر ! .. أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدًا ؟ .. أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ »

     قال : « وأى أهل بيتى ؟ »

     قال : « ختنُك وابن عمك سعيد بن عمرو !.. وأختك فاطمة بنت الخطاب .. فقد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه ، فعليك بهما »

     قال : « فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه ، وعندهما خباب فى مخدع لهم أو فى بعض البيت ، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما فلما دخل قال لهما « ما هذه الهينمة التى سمعت ؟ »

     قالا له : « ما سمعت شيئا ! .. »

     قال : « بلى والله ! .. لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه » ..

     وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخإأىأخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها ، فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته : « نعم .. لقد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله
فاصنع ما بدالك
» فلما راى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى ، وقال
لأخته : « أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءون أنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد »
وكان عمر كاتبا ، فلما قال ذلك قالت له أخته : « إنا نخشاك عليها » .

     قال : « لا تخافى » وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها ، فلما قال ذلك طمعت فى إسلامه فقالت له : « يا أخى ! .. إنك نجس على شركك ، وإنه لا يمسها إلا الطاهر » فقام عمر فاغتسل ، فأعطته الصحيفة وفيها « سوره طه » فقرأها فلما قرأ منها صدراً قال « ما أحسن الكلام وأكرمه » فلما سمع خباب خرج إليه ، فقال له « يا عمر ! والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ، فإني سمعته يقول : « اللهم أيد الإسلام بأبى الحكم عمرو بن هشام أو بعمر بن الخطاب .. فالله الله يا عمر ! » .

     فقال له عند ذلك عمر: « فدلنى يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم » فقال له خباب : « هو فى بيت عند الصفا معه فيه نفر من الصحابة » فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع ، فقال : « يا رسول الله !.. هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف » . فقال حمزة بن عبد المطلب : « نأذن له .. فإن جاء يريد خيراً بذلناه له ، وإن كان يريد شّراً قتلناه بسيفه » .

     فقال رسول الله : « ائذن له ! فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله r حتى لقيه بالحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ، ثم جبذه جبذة شديدة وقال : ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟.. فوالله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة ! » .

     فقال عمر : « يا رسول الله ! جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله »

     قال : « فكبر رسول الله تكبيرة عرف منها أهل البيت من أصحابه أن عمر قد أسلم » فتفرق أصحاب رسول الله من مكانهم وقد عزوا فى أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة ، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله وينتصرون بهما من عدوهم .. »

*         *         *

       هذه قصة إسلام عمر بن الخطاب ، وهذا موضع ما فيها من الوعيد والإغراء .. خرج بالسيف ليقتل محمداً ولم يخرج عليه أحدٌ من المسلمين بسيف ، وقرأ صدراً من
« سورة طه » ليس فيه ذكر للخمر والنعيم وهو « طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى* تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى »

( طه 1 7 )

     ويسير أن ترى أن إيمان وتصديق عمر ، لم يكن إيمان خوف ولا إيمان طمع فى زخرف أو نعيم ، بل هداية ورحمه وإنابة واعتذار ..

*          *         *

ولم يختلف إيمان الفقراء والمستضعفين عن إيمان عمر ، فلم يؤمنوا طمعًا ولا خوفًا ، بل هداية دفعتهم ألاَّ يرهبوا عذاب المشركين ، وعنتهم وسيوفهم ، فلا فرق بين إيمان أبى بكر وعمر وعثمان ، وبين إيمان العبيد والمستضعفين .

     نجحت دعوة الإسلام لأن الدنيا طلبتها ومهدت لها الحوادث ، وقام بها داع تهيأ لها بعناية ربه وموافقة أحواله وصفاته ..

     فلا حاجه بها إذن إلى خارقه ينكرها العقل ، فهى أوضح فهماً لمن أحب أن يفهم ، وهى أقوم شئ سبيلا لمن استقام وتغيا أن يستقيم على صراط مستقيم . ( يتبع )

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *