فى مدينة العـقاد (208) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

والدا النبى

     ختم الأستاذ العقاد حديثه عن أسرة النبى ، بفصل عن والديه .. ومن المعروف أن النبى عليه السلام لم ير أباه ، وأن أمه توفيت وهو فى السادسة . وبرغم أن التاريخ لم يعقب كثيرًا عن أبناء هذين الأبوين الشريفين ، إلاَّ أن ما حدا بالأستاذ العقاد للحديث عنهما ما تركاه من أثر نفسى فى وجدان ولدهما العظيم .

     الأب عبد الله بن عبد المطلب ، تكاد تكون أبوته صورة خاصة بين أبوات العظماء والأنبياء . فقد نجا من الموت ذبيحًا ، وفاءً بنذر نذره أبوه ، بيد أنه لم يكد ينجو من الذبح فى قصة الفداء المعروفة التى افتدى فيها بنحو مائة من الإبل ، حتى مات بعيدًا عن زوجته التى فارقها عروسًا وعن ولده الذى لم تره عيناه .

     ولا تملك إلاَّ أن تتوقف عند واقع متكرر ، ينبئ عن إرادة علوية ، أن الأب لم ينجب سواه ، وأنه الابن ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يعش له أبناء من الذكور .

     وقد يستوقفك أن فى تاريخ الأنبياء من أنكره أبوه ، كحال إبراهيم الخليل ووالده ، أو خذله إبنه ، كما كان من أمر ابن نوح عليه السلام .

     وقصة زواج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة بنت وهب ، أم محمد عليه السلام ، سبقتها وواكبتها وتبعتها علامات ، يتعرض لها الأستاذ العقاد ، معتنيًا بالمعقول منها وما صاحبه من أمارات كالتى مررنا ببعضها فى بدايات هذا الكتاب .

     ويتوقف الأستاذ العقاد عند الضربات التى تلقاها اليتيم من بداية حياته ، استقبلها وقد رحل أبوه ، وأرضعته أمه وأرضعته معها « ثويبة » جارية عمه أبى لهب ، ثم عُهد به إلى حليمة السعدية ليقيم معها فى البادية حيث النشأة السليمة واللغة الصحيحة ، ولم يكن الطفل اليتيم على يسار لأن أباه مات فى مقتبل الشباب . ولكن أسرة أبيه وأسرة أمه تكفلتا بنشأته كما ينشأ أبناء السراة من قريش .

     وقد حدث أن المرضعة أخذته بعد تردد ، ثم أعادته إلى مكة قبل أن يبلغ الثالثة ، لأنها سمعت من ابنها أن أخاه القرشى قد صُرِعَ وهو معه ، وأن رجلين أخذاه فإذا هما يشقان بطنه ، فلما ذهبت إليه وجدته ممتقع الوجه ، فبادرت به إلى مكة خوفًا عليه . ولكن أمه طلبت إليها أن تعود به فعادت به إلى البادية ، حيث بقى معها هناك إلى سن الخامسة أو قبلها بقليل .

     ولم يكد الصبى يطمئن إلى جوار أمه ، حتى فقدها وهما فى طريق العودة من المدينة بعد أن كانا قد زارا فى الطريق إليها قبر أبيه ، واجتمعت على الصبى غربتان : غربة الموت وغربة المكان ، فضلا عن غربة فقد أبيه الذى لم يره .

     أطبقت على الصبى كل هذه الضربات والصدمات ، وهى دالة على الروح العظيم الذى تجلى بعد ذلك فى تاريخ كان فيه كفؤًا ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأعظم الأعباء وأفدح
الخطوب .

     وقد خرج الصبى من تلك الضربات القاصمة بالعاطفة الزاخرة التى تشمل العالميْن : عالم الحياة وما بعد الحياة .

     وقليل فى جنب هذا فائدة العطف الذى تبدى فيه من صباه إلى ختام حياته ، وأحاط به ـ بهذا العطف ـ كل إنسان وكل حىّ وكل شىء .

     ولا يدع الأستاذ العقاد الكلام عن الأسرة النبوية دون التوقف عند ملاحظة أن والديه قد ماتا ولم يجاوزا الخامسة والعشرين ! والموت فى هذه السن قد يكون علامة على ضعف أو هزال إن لم يكن مرضًا يستنفد الأجل فى عنفوان الشباب .

     فهل كان محمد عليه السلام سليل أبوين ضعيفين هزيلين ؟ يدفع ويزيل هذا الظن حياة الوليد بما استوفته من قوة الروح وقوة البدن .

     لقد سأل بعض الكتاب الغرب هذا السؤال وخيل إليهم أنهم وجدوا أن الجواب فى قصة الصرع المزعوم ، دون أن يتفطنوا إلى أن الصرع إن كان ـ لا يأتى مرة واحدة فى العمر لا يأتى بعدها أبدًا . وأعجب من هذا الخبال أن يعتبروا تلقى الوحى بهذا القرآن العظيم صرعًا !

  كان محمد عليه السلام ، باتفاق جميع واصفيه فوق المربوع ، بعيد ما بين المنكبين ، غزير الشعر ، تلمس جمته ( موضع تجمع شعر الناصية فى اتجاه المنكبين ) شحمة أذنيه ، شنن الكفين والقدمين ، ضخم الكراديس ـ أى ملتقى العظام ـ ولم يكن بالمطهم ( المنتفخ الوجه ) ولا بالمكلثم ( المدور الوجه ) ، أدعج العينين ، أهدب الأشفار ( طويل أهداب
العين ) ، إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب ، ذريع ( واسع ) الخطوة ، سائل الأطراف ( طويل الأطراف طولاً معتدلاً ) .

     ويختم الأستاذ العقاد هذا الفصل قائلاً : لقد جُعِلت رسالة محمد حيث ينبغى أن تكون ـ خَلقًا وخُلقًا ـ من ميراث الزمن وميراث الأجداد والآباء ، فكل خلق وُصف به فهو الصالح لأداء رسالته والنهوض بأمانته . إن تكن ضريبة من ضرائب العظمة الكبرى ـ ولا بد لها من ضريبة ـ فتلك هى النقص فى نسله ليستوفى التمام من أمر هذه الذرية الباقية إلى يومنا ، وبعد يومنا ، جامعة واعية لكل تابع من تابعيه ، وكل مولود له فى عالم الضمير من بنيه وغير بنيه .

     وإنه لعلى خلق عظيم ..

     وإنه لعلى خلق قويم ..

نتيجة النتائج

     ونتيجة النتائج من مقدماتها جميعا ـ فيما يختم به الأستاذ العقاد هذا الكتاب ـ أن حوادث الدنيا وحوادث الجزيرة وحوادث الأسرة ، قد مهدت سُبُلاً شتى للرسالة المحمدية ، ولكنها مهدتها لتأتى الرسالة بعدها فتعيدها على العالم الإنسانى فى نسج جديد .

     يتيم فى غير ذلة ..

     عزيز فى غير قسوة ..

     يرث الكعبة ولكنه يهدم أربابها ، ويرث الأريحية من يقين بنى هاشم ولكنه يغير مجراها ، ويرث العصبية فى أقواها وأمنعها ولكنه يقودها إلى عصبية واحدة تضم إليها العرب والعجم ، وتؤمن برب واحد هو رب العالمين ..

     مهدت له الدنيا طريقا ولكنه هداها إلى غير تلك الطريق .. فهما تمهيدان يتلاقيان ويفترقان : تمهيد من قوانين الكون وتمهيد من العناية الأزلية ، وحيث ينهض رجل واحد بما يأباه قومه ويأباه معهم أقوام زمانه ، فليست هى بإرادة الإنسان ولكنها إرادة الله ، وما هى بقدرة أحد أو آحاد ، ولكنها قدرة الخالق فيما خلق ، يوليها من يشاء حيث شاء ..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *