فى مدينة العـقاد (207) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

عبد المطلب

     يفرد الأستاذ العقاد الحديث عن عبد المطلب جد النبى عليه السلام , وعن أبى طالب , ثم عن العباس وحمزة , قبل أن ينتقل للحديث عن والدى النبى . وسوف ندرك غايته حين نتمعن فيما أورده عن كل منهم .

     أما الجد عبد المطلب أو « شيبة » كما سُمى تفاؤلاً بطول العمر فى أسرة لم يكن طول الأعمار من خصائصها , فقد ولد بالمدينة , وتربى بعيدًا عن آل أبيه , فصدق عليه من طفولته قول القائلين : إن الطفل أبو الرجل . وشب الغلام عزوفًا أبيًّا لا يستكين للهضيمة .

     وقد أسبغ عليه اسم « عبد المطلب » لدى دخوله مكة مع عمه المطلب لأول مرة , فظنوه عبدًا له فأطلقوا عليه ذلك , فالتصق الاسم به . وصح التفاؤل بشأنه فقد عاش حتى ناهز المائة أو جاوزها ومات والنبى اليتيم ـ عليه السلام ـ دون العاشرة , فعهد بكفالته إلى عمه أبى طالب شقيق أبيه .

     وكل ما جرت به الروايات من أمر عبد المطلب , استقرت على صفة لا تختلف عليها روايتان : صدق التدين والإيمان بمحارم الدين , فى سدانته أو فى غير سدانته , ومن المعروف أن أحد أولاده سُمى « عبد العزى » , وعرف بعد ذلك باسم أبى لهب لزهرة كانت فى وجهه , وكانت العزّى التى نسب اسمه إليها بوادى خراص على يمين المصعد إلى العراق من مكة , ومما نقل من روايات أن عبد المطلب وجد يبكى فى مرض موته لأنه يخشى ألا تعبد العزى بعده , فقال له أبو لهب إنها لم تعبد فى حياته لأجله ولن تترك بعده لموته , فاطمأن وقال وهو يموت : الآن علمت أن لى خليفة يرعاها .

     ومغزى هذه القصة فى الدلالة على طبيعة التدين فى عبد المطلب , فهو لم يعظم العزى لمنفعة , وإنما لتدين خالص من الحيلة ومن مآرب الكهانة . وهو الذى يفسر كيف طابت نفسه بالنداء وفرائض الطاعة والوفاء , وفى قولته المعروفة لأبرهة الحبشى : إن للبيت ربًّا يحميه .

أبو طالب

     كان أبو طالب خليفة أبيه فى كفالة اليتيم محمد عليه السلام , وكان أشبه أبناء عبد المطلب فى خصاله ومناقبه .

     والخلاف كثير حول إسلام أو عدم إسلام أبى طالب , ولم يتفق الرواة على إسلام أحد من أعمام النبى عليه السلام ـ سوى حمزة والعباس . ولكن لا خلاف على حماية أبى طالب لمحمد وحبه إياه وصبره على عداوة قريش فى سبيل نصرته ورد أذاهم عنه , وقد لقى فى ذلك ما يطيق وما لا يطيق , وعظم عليه الخطب وأشفق من مغبته عليه وعلى ابن أخيه , ولكن صبر ونادى على محمد ليقول له : « اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت , فوالله لا أسلمك لشئ أبدًا » .

     ولعلك تلحظ ورود اسم « الله » فى قسم أبى طالب وغيره من القرشيين الذين لم يسلموا إلاَّ مع فتح مكة , وأن أبا النبى عليه السلام كان اسمه « عبد الله » , ويدل ذلك على أن القوم كانوا مشركين وليسوا كفارًا بالله , وإنما يشركون فى اتخاذهم أصنامًا يتقربون بها إلى الله زلفى .

     ونحن نعرف من الروايات الموثوق بها أن أبا طالب لم ينه ابنه عليًّا عن الصلاة وراء محمد , والإيمان بدينه , حين وجده يصلى خلفه وأفصح له حين سأله عن أنه آمن بالله ورسول الله , وصدق ما جاء به , وصلى معه واتبعه . بل قيل إن أبا طالب قال لأبنه : « أما إنه لم يدعك إلاَّ إلى خير , فالزمه » ..

   ويروى الأستاذ العقاد بعض ما خاضه أبو طالب برًّا بعهده أن يحمى ابن أخيه , وكيف تكفل به فى طفولته الباكرة وصحبه فى غدواته وروحاته خوفًا عليه , وكيف لم يقو على فراقه حين تعلق به باكيًا عند سفره للشام , فأخذه معه وهو يقول لصحبه : « والله لأخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدًا » . إلى غير ذلك من أخبار حبه إياه ورعايته له .

     وقد لا تغنيك هذه السطور عن الرجوع إلى « مطلع النور » لتتبع تفاصيل ما ذكره الأستاذ العقاد , ولكن لعلك لن يغيب عنك من الآن أن حديثه عن أبى طالب لا ينحصر فقط فى باب الوفاء الواجب لصدق عهده ورعايته , وإنما هو يعطى الضوء والبيان لمحبة النبى عليه السلام له وإكباره إياه .

العباس وحمزة

     عمان آخران كانت لهما شهرة وصلة بالدعوة النبوية وعرفنا منها بعض ما اتصفا به من صفات .

     فالعباس على صغره تولى السقاية بعد أبيه , وامتاز بين سادات قريش بالرأى والدهاء وطول الأناة , وكان له علم بالأنساب وقدرة على تألف الناس ودفع العداوات , مع هيبة محسوبة له بين القرشيين وبين الهاشميين والأمويين .

     وحمزة فارس الفرسان فى خلائق الفروسية كلها , من شجاعة وصدق وإيمان ودراية بالسيف والخيل . ولا سلامه قصة مروية ومعروفة , تدل على ما فيه من مروءة ورجولة وشهامة ونجدة , ختمت بومضة فتحت عليه نورًا جعله يصادق مؤمنًا بالإسلام الذى أعلنه بأمس فى ساعة الغورة .

     ومن أعمام رسول الله غير حمزة والعباس ـ رجلان لم يسلما وهما الزبير وعبد العزى أبو لهب , وكلاهما كان يحتفى بالطفل الصغير ويد الله ويواليه بالسؤال عنه , ووهب له أبو لهب جاريته ثويبة ترضعه وتخدمه فى طفولته , ونعرف أنه صاهره فيما بعد بزواج نجليه قبل البعثة ببنتى محمد : زينب , وأم كلثوم , وتطليقهما لهما بعد البعثة بأوامر أبيهما أبى لهب .

     على أن أبا لهب , يكاد يكون المنفرد بين بنى هاشم وبنى عبد المطلب بالعداوة الشديدة لمحمد , ونزلت فيه الآيات : « تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ »
( المسد 1
ـ 5 ) .

     وربما كان من علل ذلك , أن أبا لهب كان على حلف ومشاركة لبيوتات قريش كلها لكثرة ماله وسعه تجارته وأعماله , ولعله يفسر ذلك عبارته التى استخرجها العقاد والتى قالها للنبى عليه السلام يوم اجتماعه بالأسرة : « هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصبأة , واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة , وأنا أحق من أخذك , فحسبك بنى أبيك وإن أقمت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثبتك بطون قريش وغيرهم العرب .. فما رأيت أحدًا جاء على بنى أبيه بشرّ مما جئتهم به .. »

   وتتبعًا لتحليل عداء أبى لهب , يورد الأستاذ العقاد ما قاله أبو طالب لمحمد فى مجلس آخر : « هؤلاء بنو أبيك مجتمعون , وإنما أنا أحدهم , غير أنى أسرعهم إلى ما تحب , فأمض لما أمرت . فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك , غير أن نفسى لا تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب »

     هنالك أنبرى أبو لهب معترضًا : « هذه والله السوأة . خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم » .. وانفض المجلس على غيظ يكظمه أبو لهب لم يستطع أن يفثأه , وعهد يبرره أبو طالب مقسمًا : « والله لنمنعه ما بقينا » .

( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *