فى مدينة العـقاد (206) ـــ فى مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الكعبة

     دعا الأستاذ العقاد إلى كتابة هذا الفصل ، تعدد الكعبات فى تاريخ العرب الدينى ، وكان فى الجزيرة العربية عدة بيوت مشهورة ، بيت الأقيصر ، وبيت ذى الخلصة ، وبيت صنعاء ، وبيت رضاء ، وبيت نجران ، واشهرها وأبقاها بيت« مكة » .

    وبعد مقدمه وجيزة من هذه البيوت ، انتقل الأستاذ العقاد اسم الكعبة ، عارضًا ما ذهب إليه المؤرخون من مذاهب شتى فى تسمية الكعبة بهذا الاسم ، فمنهم من عزاه إلى التكعيب ، ومنهم من قال إن الكلمة مستمده من اللغة الرومية ، وقال آخرون بل كان بنائها بالحبشة ، إلاّ أن ما لا يجوز فيه الشك أن «البيوت الحرام » وجدت فى الجزيرة العربية لأنها كانت لأزمة لعبادات ومعبودات موروثة .

     ويذكر الأستاذ العقاد أنه اجتمع لبيت «مكة» ما لم يجتمع لبيت آخر فى أنحاء الجزيرة ، حيث كانت مكة ملتقى القوافل بين الجنوب والشمال وبين الشرق والغرب ، وكانت لازمه لمن يحمل تجارة اليمن إلى الشام ، ولمن يعود بتجارة الشام إلى شواطئ الجنوب .

*     *     *

   وكانت مكة عربية لجميع العرب ، ولم تكن كسروية ولا قيصرية ولا تبعية ولا نجاشية . ولقد حاول بعض الدول الاستغناء عنها بتحويل الطريق عنها أو هدم كعبتها فلم تفلح ، وبقيت لها مكانتها وقداستها كما كانت من أقدم عهودها ، وهى أسبق فى وجودها لكتابة أسفار العهد القديم فى التوراة ، وهى « ميشا »،، التى يقول الرحالة « برتون »إنها كانت مقصدًا لعبادة أناس من الهند ، ويقول الرحالون الشرقيون إنها كانت كذلك بيتًا مقصودًا للصائبين الذين أقاموا فى جنوب العراق قبل الميلاد بعشرة قرون .

ومن هذه المحاولات التاريخية المشهورة لهدمها ـ محاولة عام الفيل ، ومحاولة عثمان بن الحويرث أن يضم مكة إلى حوزة الروم، وأن تستولى دولة الروم ثم تجارة المشرق .

     والحبشية كانت تخشى نفوذ الفرس فى الروم ، وتلقى معونة من دولة الروم على مقاتلة التبابعة اليمانيين ، و كانت الحبشة تحذر دولة الروم لأنها كانت تملك الوصل إليها من وادى النيل فضلاً عن أنها كانت تملك طريق البحر الأحمر فى نهايته القصوى . وكانت دولة الروم وراء الغزوة التى انتهت بهزيمة « ذى نواس » ملك اليمن ، فاقتحم البحر بجواده ليغرق فيه ، وكشف « أبرهة » عن غايته بعد التمكن من اليمن وشواطئها ، فبنى « القليس » فى صنعاء ، ومن الجائز أن تكون هذه الكلمة مصحفة من كلمة «الكليس» بمعنى التكليس عن الطلاء .

   وقيل فيما قبل إن أناسًا من العرب كانوا يذهبون إلى الكعبه الجديدة ليدنسوها وأن سيدًا من سادات تميم فعل ذلك وتحدى أربابها وكان من جراء ذلك هجوم أبرهة على مكة فى عام الفيل .

   وكانت هناك محاولة أخرى من محاولات السياسة الخفية لتمليك سيد من العرب على مكة    يدين بالولاء لدولة الروم ، وتثبت تينك المحاولتان ، قيام كعبة الحجاز على كره من ذوى السلطات فى الجنوب .

     على أن الكعبة حفظت مكانها رغم خلو مكة من العروش الغالبة على أنحاء الجزيرة ، بل هى قد استطاعت ذلك لخلوها من العروش .

قداسة الكعبة

الأساس المهم الذى قامت عليه مكانة البيت المكى ، ينصرف إلى البيت ذاته لا إلى ما يوضع فيه من أوثان وأصنام ، فكانت القداسة له لا إلى ما يشتمل عليه . بل ولم تكن الأصنام الموضوعة فيه محل تعظيم عام ، فكان البعض يعظم وثنًا ، وآخرون يزدرونه ـ وعلى ذلك كانت تختلف الشعائر والدعاوى التى يدعيها كلٌ لصنمه ووثنه ، وكان يتفق أن يجتمع بالبيت فى موسم الحج أناس أخذوا بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والنصرانية وعبادات الأمم الأخرى ، ولكن بقيت للبيت ذاته قداستة وتعظيمه ، يتفق على ذلك الجميع .

أسرة النبى

     يتصل حديث الأستاذ العقاد عن أسرة النبى ، بالبيت الحرام ذاته . فمنذ ثبتت له تلك المكانة العالية بين العرب كافة ، وجبت له أمانة الخدمة بما له من شرف محفوظ .

وقد تقاسمت قريش هذه الخدمة ، ولكن لم يقم أحد بأمانتها كما قام بها أجداد النبى عليه السلام من بنى هاشم ، فقد عرفوا حقها وعرفوا سمتها بل وطبعوا عليه فطرة بغير كلفة .

   وقد تنافس بنو هاشم و بنو أمية ـ وكلاهما من بنى عبد مناف ، على هذا الشرف فأسفرت المنافسة بينهما عن فارق فى الطباع ظل ملحوظ الأثر فى خلائق الأسرتين من أيام الجاهلية إلى ما بعد الإسلام بعدة قرون .

   كان بنو هاشم أصحاب عقيدة وأريحية ووسامة ، وكان بنو أميّة أصحاب عمل وحيلة ومظهر مشنوء . وانعقد على ذلك الاستخلاص ـ الإجماع أو ما يشبه الإجماع فى أخبار الجاهلية .

   وجرت بذلك أخبار المنافرات المتتالية ، وأقوال النسابين ، ولا يحتاج الناظر فى هذه الأخبار والأقوال إلى الأخذ بالمشكوك فيه من تلك الروايات ليستخلص هذا الفارق الواضح من خلائق العشيرتين ، وربما خفى السبب الذى يرجع إليه هذا الفارق ، وقد يعزوه البعض إلى النسب المدخول ، وما رُمى به الأمويّون الأوائل من شبهات فى عمود النسب يتتبع الأستاذ العقاد جذورها . إلاّ أنه أيًّا ما كان سر هذا الفارق البيّن فى خلائق العشيرتين ، فإن
بنى هاشم
ـ أسرة النبى ـ كانوا أصحاب الرئاسة ، وكانت لهم أهم أخلاق الرئاسة ـ وعُرفوا بالنبل والكرم والهمة والوفاء والعفة ، وبرزت كل خليقة من هذه الخلائق فى حادثة مأثورة مذكورة فى الروايات أو الأشعار أو الكلمات الجارية على الألسنة .

     كان هاشم غيّاث قومه فى عام المجاعة ، فبذل طعامه لكل وافد على مكة وسمى بالهاشم من ذلك التاريخ لهشمه المزيد ودعوة الجياع إلى قصاعه .

     وتدل على مكانته فى غير قريش ، وفى مدن التجارة خاصة ، مصاهراته ومنها مصاهرته بنى النجار بالمدينة .

     وكان ابن هاشم ـ عبد المطلب ، سيد قريش غير مدافع ، وبلغ التقابل بين الأسرتين أقصاه فى عهد المناظرة منه حرب بن أميّة ، فكان كلاهما غطًا فى ذاته .

     وكان عبد المطلب متدينًا صادق اليقين ، مؤمنًا بمحارم دينه فى الجاهلية ، وهو أول من حلّى الكعبة بالذهب من ماله ، وكانت مناقبه تدل عليه ولا تصدر من غيره ، وكلها مزيج من الأنفة والرصانة و الاستقلال ومواجهة الغيب على ثقة وصبر و أناة ، وترى ذلك واضحًا فى قصته المعروفة مع أبرهة الحبشى فى عام الفيل ، وغير ذلك من الأخبار ، ومنها قصة الفداء المعروفة بصدد ابنه عبد الله والد النبى عليه السلام .  

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *