فى مدينة العـقاد ـــ فى مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

دين الإنسانية

    هنا يفرق الأستاذ العقاد بين دين التوحيد ودين الإنسانية من ناحية المقدمات والخطاب ، فقد وُجدت أديان تدعو بعض الأمم إلى التوحيد قبل الإسلام ، وربما جاءت هذه الدعوة إلى التوحيد ـ قبل الإسلام ـ عن طريق توحيد الدولة وفرض السلطان والعبادة الواحدة تعبيرًا أو ترسيخًا لوحدة الدولة ، أو لقوة القبيلة المتمكنة ، ومثل هذا النوع من التوحيد لم يأت على سبيل المساواة أو سبيل الهداية والرشاد ، بل كان على سبيل القهر والإخضاع .

       وعلى هذه السنة جرى الرومان على إخضاع اليهود حين فرضوا عليهم عبادة
«
الإمبراطور » فى هيكلهم ووضع الشارة الرومانية على محاربيهم ، وفرضوا ما يريدون من باب الإخضاع وتحريم كل معبود فى الدولة غير معبودهم .

     على أن هذا التوحيد ـ على قصوره ، لم يكن يعنى دين الإنسانية الذى يريد الأستاذ العقاد أن يجلى وجوده فى الإسلام . هذا الدين الذى يتجه إلى جميع الأمم ـ لا أمة واحدة ـ بدعوة واحدة على سنة المساواة بين جميع الشعوب والأجناس ، والتماس الهداية للجميع غالبًا كان أو مغلوبًا . هذه دعوة إلى دعوة توحيد العبادة ـ قامت على حقوق واحدة وهداية واحدة وإيمان واحد بإله لا إله غيره ، يتساوى الناس بين يديه ، ولا يتفاضلون بغير التقوى والصلاح .

     كان الإله عند الإسرائيليين يسمى إله إسرائيل ، ويخص من أبناء إبراهيم ذرية يعقوب بن إسحق دون سائر العبريين .

    ويستخرج الأستاذ العقاد من أسفار العهد القديم عبارات الأنبياء وعبارات الشعب ، من مثل « هكذا قال الرب إله إسرائيل » ، « مبارك الرب إله إسرائيل » ، « ألست إلهنا الذى طردت سكان الأرض أمام شعبك إسرائيل وأعطيتها لنسل إبراهيم خليلك إلى
الأبد
» .

     وقد دامت هذه العقيدة إلى عصر الميلاد ، فتهيأت العقول لعقيدة أرفع منها وأعدل وأقرب إلى المساواة بين الناس ، فكان يحيى المغتسل (المعمدان) يزعزع هذه الثقة بالخلاص لغير سبب من عمل أو إيمان ، ويخاطب القوم كلما تمادوا فى اغترارهم بالنسبة إلى إبراهيم الخليل ، بأن الله قادر على أن يخلق لإبراهيم أبناء من حجارة الأرض ، فإن لم يخلصوا فى إيمانهم فلا أمل لهم فى الخلاص .

     وتحولت الدعوة المسيحية من بنى إسرائيل إلى الأمم على الرغم من بنى إسرائيل ،
حين شبههم السيد المسيح بالمدعوين الذين أقيم لهم العرس فتخلفوا عنه متعللين بالتعلات والمعاذير .

     ولم تتحول الدعوة المسيحية عن بنى إسرائيل إلاّ بعد إعراضهم عنها وإصرارهم على الإعراض ، وكانت قبل ذلك مقصورة عليهم صريحة فى تقديمهم على غيرهم من الأمم . وفى العهد الجديد من قول السيد المسيح « لم أرسل إلاَّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة » . وكان تحول الدعوة عنهم إلى غيرهم اعتدادًا بأن المستجيبين للدعوة أحق بإبراهيم بالروح من أبنائه بالجسد .

*         *         *

     وقد كانت القومية هى مقدمة الدعوات قبل الدعوة المحمدية بعدة قرون ، ثم استمع الناس إلى دعوة من أعماق جزيرة العرب تنادى بنى الإنسان جميعًا إلى إله واحد ودين واحد وحق واحد « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » ( الحجرات 13 ) ، « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ » ( سبأ 28 ) ، « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ » ( الأنبياء 107 ) ، وسمعوا رسول الدعوة عليه الصلاة والسلام يفسر هذه الآيات بقوله : « لا فضل لعربى على أعجمى ولا لقرشى على حبشى إلاَّ بالتقوى »

المسئولية الفردية

     يعنى الأستاذ العقاد بالمسئولية الفردية ـ المسئولية الشخصية ، أو بعبارة أخرى شخصية المسئولية ، وقد كان للأستاذ العقاد فضل التنبيه إلأى شخصية المسئولية فى الإسلام وإن لم يستخدم مبكرًا التعبير الاصطلاحى الذى صرنا نعرفه اليوم .

     وقد تناول فى هذ الفصل التبعة الفردية ، والمسئولية الفردية ، مبديًا أن فكرتها بسيطة ولكنه عميقة على رغم بساطتها .

     لم تكن فكرة المسئولية الفردية أو شخصية المسئولية ، معروفة فى عهود الحضارة الأولى ، ولم تكن القبائل تعرف إلاّ شيخ القبيلة صاحب السلطان ، ولا تعرف إلاَّ أن المسئولية عن أفعال أو أخطاء أو جرائم آحادها ـ تسأل عنها القبيلة بأكملها ، وكثيرًا ما كانت الحروب تشجر بين القبائل وتشمل الكل ، مع أن بدايتها منازعة أو خلاف بين شخصين .

     وانتقلت هذه الفكرة فى « تعميم » المسئولية من القبائل إلى الأسر ، فصار الأب مسئولا عن أبنائه ، والمتبوع مسئولاً عن أعمال تابعه أو تابعيه ، ودون تفطن إلى أن مسئولية الفرد يجب أن تكون عالقة به .

     ويذكر الأستاذ العقاد ، أن الهند عرفت من قديم نوعًا من المسئولية الفردية ، ولكنها كانت تأخذ بأن الفرد يولد بأخطائه وجرائره وآثامه .

*         *         *

   وشاع تعميم الخطأ وتحميله على غير صاحبه ، فى أسفار العهد القديم ، وانتقى الأستاذ العقاد أمثلة لذلك من سفر التكوين ، ومن سفر يشوع . وجاء فى سفر التكوين أن « نوحًا شرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه ، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا .. فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير فقال ملعون كنعان ، عبد العبيد يكون لإخوته .. » ، وجاء فى سفر يشوع أن « عاخان » سرق من غنائم القتال فى وقعة عاى فانهزم الإسرائيليون .. « وأجاب عاخان يشوع وقال حقا إنى قد أخطأت إلى الرب إله إسرائيل .. رأيت فى الغنيمة رداءً شنعاريًّا نفيسًا ومئتى مثقال من الفضة ولسان ذهب وزنه خمسون مثقالاً فاشتهيتها وأخذتها وها هى مطمورة فى الأرض وسط خيمتى والفضة تحتها .. فأخذ يشوع عاخان بن زارح والفضة والرداء ولسان الذهب وبنيه وبناته وبقره وحميره وغنمه وخيمته وكل ماله وجميع إسرائيل معه وصعدوا بهم وادى عجوز .. فقال يشوع : كيف كدرتنا يكدرك الرب فى هذا اليوم ، فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة وأحرقوهم بالنار ورموهم بالحجارة وأقاموا فوقه رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم ، فرجع الرب عن حمو غضبه » .

     ومن هذا المفهوم شاع أن عصيان آدم تُسأل عنه البشرية بأسرها ، وعلى مدار الأجيال ، وظلت المفاهيم على هذا النحو ، حتى سمع العالم عن رسول القرآن عليه الصلاة والسلام من قول ربه : « وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ » ( الإسراء 13 ) ، وقوله « كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ » ( الطور 21 ) ، وقوله « وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى » ( فاطر 18 )

     ومن هذا النبع ، عرفت الشرائع الوضعية مبدأ شخصية المسئولية .

( يتبع )

  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *