فى مدينة العـقاد (204) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

عيسى عليه السلام

     أختتم عهد النبوة والرسالة فى بنى إسرائيل بظهور عيسى عليه السلام ، ونحن فيما يقول الأستاذ العقاد ـ لا نعرف غير القليل عن نشأته وطفولته ، ولا نعرف شيئا عن أيامه من سن الثانية عشرة إلى مبعثه فى الثلاثين من عمره إلى قومه بنى إسرائيل .

     وبعد إيجاز ترقب بشائر الدعوة فى عصر الميلاد ، أورد الأستاذ العقاد أنه لا شك أن السيد المسيح قد اتجه بدعوته إلى إسرائيل وابتغى منها الهداية ، وهو ما قال فيه بالعهد الجديد إنه بعث « لخراف بيت إسرائيل الضالة » . ولكن السيد المسيح عمم الدعوة بعد تكرارها على القوم وعنادهم ولجاجتهم فى الإعراض عنها ، فاتجه بها إلى كل مستمع لها مقبل عليها .

     وقال السيد المسيح إن العاملين بالخير ذرية لإبراهيم الخليل أقرب وأوفى ممن يدعون الانتساب إليه بالسلالة ، لأن هؤلاء العاملين بالخير هم أبناؤه بالروح ، وضرب لهم المثل بوليمة العرس التى لم يحضرها المدعوون إليها كما مر بنا فى كتابه « حياة المسيح » .

     ولم تكن رسالة السيد المسيح رسالة تشريع ، لأن الشريعة الدينية كانت فى أيدى أحبار الهيكل والشريعة الدنيوية كانت فى أيدى أتباع القيصر ، ولكنه عليه السلام قد جاء بالفتح المبين الذى لم يسبقه إليه سابق من المرسلين فى تصحيح الشرائع بجملتها ، فقد حطم عنها قيود النصوص ونقلها إلى المقياس الصحيح مقياس الضمير ، وأن يكون أبناء النبى هم أتباعه بالروح ، وأن يكون الخير فى ضمير الإنسان لا فى المظاهر ، وأن من ملك ضميره ملك كل شئ .

رسالة النور الجديد

     يخرج الأستاذ العقاد إلى أنه مما قدمه ـ تنجلى المطابقة بين النشأة والرسالة النبوية عن مقاصد ثلاثة تنطوى فى هذه الرسالات :

     منها الرسالة التى تنطوى على تكاليف الزعامة .

     ومنها الرسالة التى تقوم على منفعة أمة من الأمم لحراستها فى وجهه الأمم الأخرى .

     ومنها الرسالة التى ينتظرها القوم تحقيقًا لوعود متعاقبة يفسرها كل منهم على ما يبتغيه .

     ثم قامت بعد هذه الرسالات جميعًا ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلم يستغرقها مقصد من هذه المقاصد ، لا زعامة ولا منفعة أمة ولا تحقيقًا لوعود

     رسالة محمد عليه الصلاة والسلام رسالة إلهية قوامها أن الله تعالى حق وهدى , وأن الإيمان به جل وعلا مطلوب لأنه حق وهدى ، هذا الإيمان أعلى وأقدس من كل إيمان لأنه إيمان بالحق والهدى .

     لم تكن زعامة محمد على قومه مناط تلك الرسالة ، فقد جاء بها بشر كسائر البشر ، عليه من أمانة الهداية ما على الإنسان للإنسان .. زعيمًا كان أو غير زعيم .

     ولم تكن منفعة الأمة العربية مناط تلك الرسالة ، لأنها إيمان برب العالمين ، ولا فضل فيها لعربى على أعجمى ولا لقرشى على حبشى ، ولا تفاضل فيها إلاَّ بالتقوى .

      ولم تكن رسالة محمد اقتضاء لوعود ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يعد أحدًا من العالمين بغير ما وعد الناس كافة .

نزاهة العبادة

     تَعَوَّدَ بعض المهاذير من المؤرخين الغربيين أن يذكروا النعيم السماوى الموصوف فى الإسلام من بين النقائض التى تقدح فى العبادة النزيهة .

     وما من دين خلا من مبدأ الثواب والعقاب ، وليس الإيمان بالثواب والعقاب مخلاَّ بنزاهة الدين , وما من دين يسوى بين الصالحين والمفسدين , أو يصادر على طموح النفوس إلى النعيم الذى ترتضيه .

والميزان الحق للعبادة النزيهة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ هو الصفة التى يتصف بها الإله المعبود، وأنزه العبادات ـ هى العبادة التى يؤمن بها المؤمن لله الواحد الأحد جل وعلا لأنه سبحانه حق وهدى ، ولأن الإيمان به هو الحق والصواب .

   سيد المرسلين بحق ـ من جاء بالرسالة المنزهة المثلى , وهذه هى رسالة محمد عليه الصلاة والسلام بشهادة العقل حين يقابل بين القرائن والأمثال , بلا تعصب ولا تقليد .

الوساطة

     لا وساطة فى الرسالة المحمدية بين العبد وربه , وليس فى فرائض الإسلام
الخمس : الشهادتان , والصلاة , والصيام , والزكاة , والحج
ـ ما يقوم أداؤه على وساطة بين الخالق جل شأنه والمخلوق المتعبد . فباب الخالق مفتوح للمؤمن فى كل موضع وفى كل حين « وأينما تكونوا فثم وجه الله ».

     وليس فى أداء الصلاة ، ولا فى توقيت وأداء الصوم ، ولا فى أداء الزكاة والحج ,
ما يحتاج فيه المسلم إلى وساطة بينه وبين ربه .

     ليس فى حج بيت الله كاهن يقدم له الحاج قربانه أو يملى عليه شعائره .

     ويصح للمسلم أن يؤدى زكاته بنفسه مثلما يصح له أن يسلمها لمن يجمعها ويوزعها على مستحقيها .

     وليس هذا من باب المصادفات , بل هو دين لا كهانة ولا وساطة فيه بين الإنسان وربه .

     حارب الإسلام أى سيطرة للكهانة فى الهياكل أو صوامع الصحراء وخيامها وفى التوابيت , لأن سلطان هؤلاء كان سيطرة على رقاب الناس باسم الدين , أو لأكل أموال الناس بالباطل , أو لاتخاذهم أربابًا من دون الله .

     ليس لأحد فى الإسلام فضيلة غير فضيلة العلم والموعظة الحسنة وتنبيه الغافلين ولو كانوا من ذوى السلطان . يقول تعالى : « وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ »
( التوبة 122 ) , وهذه الفريضة هى الفريضة العامة التى يندب لها من يقدر على أدائها من أهل الذكر , وممن يقدرون على حمل أعباء الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر , وفى القرآن المجيد : « فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ » ( النحل 43 ) , وفيه قوله عز من قائل « وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
» ( آل عمران 104 )

     هذا هو موقف للإنسان فى الكون كله , بين يدى الله , بغير فاصل ولا حجاب , وبغير وسيط ولا وساطة , حينما يكون فثم وجه الله .     ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *