فى مدينة العـقاد ـــ (203) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

سيد الأنبياء

     يورد الأستاذ العقاد ، كيما تكتمل الصورة ، ما كان من أمر كبار الأنبياء غير محمد عليه الصلاة والسلام ، فيتحدث عن إبراهيم خليل الرحمن ، وعن نبوه موسى ، ثم عيسى عليه السلام .

خليل الرحمن

       وقد مرَّ بنا ما كتبه عن أبى الأنبياء خليل الرحمن ، ولكنه يريد هنا أن يشير إلى أنه أيّا كانت بدايته ، فإن الأقوال متواترة على زعامته لقومه حين هاجر بهم من جنوب العراق إلى شماله ومن شماله إلى أرض كنعان . وكانت مهمته إذن هي مهمة الزعامة المفروضة على الزعيم ، وكان عليه أن يتولى هداية قومه فى شئون دنياهم وشئون دينهم ، وبخاصة حين يخشى عليهم من غضب الله ونقمته العاجلة من جرّاء المخالفة والعصيان .

       فكانت نبوة إبراهيم نبوة زعيم أمين ..

نبوة موسى

     بعد أن ينحى الأستاذ العقاد تصورات فرويد لنبوة موسى ، يقفى بأنه ليس فى سيرة موسى عليه السلام من المراجع الدينية ، ما يدل على أنه كانت له زعامة معترف بها فى بنى إسرائيل ، بل فيها إنكار هذه الزعامة بالقول الصريح.

     ويشير الأستاذ العقاد إلى ترجيح « بريستيد » ـ أحد الثقات فى التاريخ المصرى القديم ـ أن موسى قد تخرج من المدارس المصرية الكبرى ، واطلع على مكنونات علم الكهنة والحكماء ، وكانت له منزله فاضلة عند ولاة الأمر لعله كان يستخدمها فى الشفاعة لقومه والعلم بنيات الولاة وأوامرهم فيما يمس شئونهم ،فتعود عقلاؤهم أن يلجأوا إليه ويوسطوه ليستشفعوا به فيما ينوبهم من ظلم وسوء الحال .

         ولا خلاف فيما يرى الأستاذ العقاد على الصورة التى تخيلها « مايكل أنجلو » للرسول العظيم ، أنه يؤخذ من أوصافه أنه كان وديعًا حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض كما جاء ف سفر العدد من العهد القديم ، وأنه كان يشكو من حبسة فى لسانه كما قال هو عن نفسه فى سفر الخروج .

       ولم يخطر له بادئ الرأى أن يقود قومه فى خروجهم من مصر ، ولم يكن على أهبة للرسالة الدينية قبل هجرته إلى صحراء سيناء ولقائه فى أرض مدين للنبى العربى الذى يرجح الأكثرون ـ ويؤكد القرآن ـ أنه النبى « شعيب » .

     ويضيف الأستاذ العقاد أن السنوات التى قضاها موسى عليه السلام إلى جوار نبى مدين ، كانت هى فترة الاستعداد والرياضة الروحية والتدبر الطويل فيما يمكن عمله لإخراج بنى إسرائيل من مصر وإحلالهم حيث حل على مقربة من سيناء وكنعان .

     فلما عاد موسى إلى مصر ليخرج بقومه ، كان هذا الخروج حيلة مَن لا حيلة له فى البقاء ، ودعاهم إليه باسم الله فأطاعوه بعد لأىٍ ومجاهدة .

   والمؤكد انه لا يفهم من أى حادث من حوادث الرحلة أن القوم كانوا يؤثرون الفرار حرصًا على عقيدة دينية ، بل لقد أسفوا على ما تعودوا عليه من مراسم دينية فى مصر .

   وقد هجر موسى مصر بعد مقتل المصرى وتهديد بنى إسرائيل له ـ قبل غيرهم ـ بالإبلاغ عنه ، فضلاً عن خشيته من ولاة الأمور .

     ولم يخطر له قبل تلك الهجرة أن يقنع قومه بالرحيل من الديار المصرية ، ولكنه بعد ما اختبره فى الصحراء وسمعه عن نبى مدين ، طاب له مقام البادية فلم يستعظم دعوة قومه إلى مثل هذا المقام ، وتدبر الأمر وصحح العزم على التحول بهم إلى أرض كنعان ، وصرف الجهد الجهيد لإقناعهم بذلك باسم الإله الذى اختارهم للنجاة .

     وأورد الأستاذ العقاد أمثله لما كان موسى عليه السلام يحذرهم به ، من سفر التثنية بالعهد القديم .

     ولا يغير من هذه الحقيقة ما يقال ـ تأييدًا أو تفنيدًا ـ عن نسبة الأسفار الخمسة الأولى بالعهد القديم إلى موسى عليه السلام ، فقد تواترت هذه التحذيرات من أنبيائهم من عهد موسى إلى مبعث عيسى عليه السلام .

       وعلى ذلك فبنى إسرائيل لم يستغنوا قط عن الإقناع المتتابع للإيمان بالإله الواحد الذى دعاهم إليه موسى ، فهو لم يتحرك من مصر فرارًا بعقيدته بل كانت هذه العقيدة هى وسيلة الإقناع بحمله على النجاة بنفسه من عواقب البقاء الذى طاب له فى مصر. ولم يزل يحتاج طوال الطريق إلى تجديد هذا الإقناع فى كل مرحله ويحن إلى العودة بعد كل نقله ، وظل كذلك بعد انتهاء أيام التيه وإيوائه إلى الفرار عند أرض كنعان.

     و نشأة موسى التى يقول الأستاذ العقاد إنه عرفها من مصدرها الذى لا مصدر له غيره ـ هى التى تطابق بين هذه النشأة وبين الرسالة الموسوية كما وضحت من الكتب المنسوبة إلى موسى والكتب التى نسبت إلى الأنبياء من بعده ، فخلاصة هذه النشأة أن كليم الله تربى فى مصر وخرج منها خفيه بعد مقتل المصرى الذى صرعه موسى انتصارًا لرجل من بنى إسرائيل ، ولم يكن خاطر الخروج ببنى إسرائيل قد خطر له أو لأحد من ذوى الزعامة بين عشائر قومه ، ولكنه عاش فى البرية إلى جوار الهداية النبوية فى أرض مدين ، وراض نفسه على حياة النسك والاستلهام وهو يفكر فى أسرته وقومه ويزور الأرض من حوله ، وتلقى الدعوة الإلهية بعد طوال التدبر والرياضة فعاد إلى مصر لإقناع قومه بدعوته وإقناع السادة الحاكمين بها إن تيسير له ذلك دفعا للخطر عن ملته وعقيدته ، ورأى لقومه مصيرًا أكرم فى البادية، ورأى إن العقيدة التي دعاهم إليها كفيله بحمايتهم من الضياع بين العشائر والملل فى ارض البادية أو ارض الحضارة .

     وهذا هو حكم التوفيق بين النشأة والرسالة فى حياة الكليم عليه السلام ..

       ولن يغيب عن القارئ أن استطراد الأستاذ العقاد فى شأن نبوة موسى ، بالقياس إلى إشارته الموجزة لخليل الرحمن ، إنما مرجعه أن الظروف لم تمهله للكتابة عن موسى عليه السلام ، بينما صنف كتابًا وافيًا شاملاً عن أبى الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام .

 (يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *