فى مدينة العـقاد (202) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     النبوة المحمدية هى إذن نبوة هداية للعقل والضمير ، وليست نبوة استطلاع وتنجيم ، ولا هى نبوة عرافة أوعيافة أو كهانة ، ولا هى نبوة شعر ولا جنون مقدس ، لا هى نبوة قراءة للغيب وإنباء بآتيات الزمن القابل ، ولا هى شطحات كذب وتضليل .. قـد بلغ سـوء الظـن فى النبوات غابرا ـ فيما يقول العقاد ـ حد إطلاق وصـف « أنبياء
كذبة » على بعض الأنبياء فى العهدين القديم والجديد .. فنجد فى سفـر أشعياء حديثا عـن « النبى الكذاب »
ـ فيقول : « الشيخ المعتبر هـو الرأس والنبى بالكـذب هو الذَّنَب » !
( أشعياء 9 : 15 ) .. وفى إنجيل متى : « ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ، ويضلون كثيرين » ! ( متى 24 : 11 ) ، وفى إنجيل لوقـا : « لأنـه هكذا كان يفعل آباؤهم بالأنبياء الكذبة » . ( لوقا6: 26 ) ، ويصف يوحنا فى رؤيته خروج الأرواح النجسة من فم « النبى الكذاب » . !

     لقد أتت شبهة المعجزة سهلة ميسورة إلى رسول القرآن ، مهيأة للاقتناص والاستغلال لمن يريد الكذب بها على الناس ، يوم أن كسفت الشمس أثناء دفن إبراهيم ابن النبى عليه السلام ، فتصايح الناس أنها آية من آيات الله للنبى المصطفى عليه السلام ونجله ، بيد أن رسول القرآن رفض هذه الفرصة التى يتحينها الكذابون أو طلاب الدنيا والخداع والمنافع ، ولم يشأ عليه السلام أن يترك الناس فى ظنهم الذى يضيف إليه فى نظرهم فضلاً وآية ، فطفق ينبههم ويحذرهم من هذا الفهم الخاطئ الذى سارعوا إليه ، ويقول لهم : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد أو لحياته !

     وبذلك خلصت النبوة المحمدية كلها لمهمتها الكبرى , وهى هداية الضمير , وانقطع ما بينها وبين ما كان سلفًا من صناعة أو حيلة للتأثير فى العقول عن طريق الحس المخدوع .

     فليس فى النبوة سحر ولا كهانة , ولا استدراج للعقول بادعاء معرفة الغيب أو ادعاء المعجزات .

       قد روت الأخبار المأثورة كثيرا من المعجزات والخوارق التى صاحبت مولد محمد r وطفولته ، ولكن محمداً عليه السلام لم يذكر هذه المعجزات ، ولا أثر عنه أنه كان معنيا بأى إشارة إلى أى معجزة من المعجزات المتصلة بشخصه أو برسالته ، بل كان حفيا بالقرآن يوصى الناس جميعا به ، بل ويخشى عليهم من كتابـة السنة مخافة أن تختلط بكتاب الله المبين ، فيقـول لهـم : « لا تكتبـوا عنـى غير القـرآن ، وحدثوا عنى ولا حرج ، ومن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » !

       نبوة القرآن نبوة فهم وهداية للعقل والضمير ، بالنظر والتأمل والتفكير .. لم تتوسل النبوة المحمدية فى هدايتها للعقل والضمير بالاعتماد على خوارق المعجزات الحسية ، بل عنيت بصرف الناس عن التعلق بها والتنبيه إلى احتمالات تعطيلها لملكة العقل فى استقبال هداية الله .. عـن نفسـه يسـارع نبى القرآن فيقول للمؤمنين إنه ليس إلاّ بشرا رسـولا : « قُـلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً »؟! ( الإسراء 93 ) .. ويقول لهم من قول ربه تبارك وتعالــى : « وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا »( الإسراء 59 ) .. يعلمهم عليه السلام أن المعجزة لاتنفع من لاينفعه عقله ، ولا تقنع المكابر المبطل إذا أصر على العناد واللجاجـة فى باطلـه ، .. فيتلـو عليهـم مما تنزل عليه : « وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِـم بَابًا مّـِنَ السَّمـَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ » ( الحجر 14 ) .. « وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ » ( يونس 20) .

     فى النبوة المحمدية ، فضلا عن عنايتها الجمة بجانب الروح والنفس ـ فيها اعتراف جاد بالعالم المادى الظاهر ، وأنه واقع ضرورى لا يجوز تجاهله وليس منه مفر لأى حى أو غير حى ، لأن الحى وغير الحى جزء موجود من العالم المادى لا محالة .

     وفى النبوة إيمان فطرى بأن ذلك العالم بما فيه من أحياء ، محكوم بحكمة خالصة .

     وفى هذه النبوة إيمان فطرى بأن الفارق الجوهرى بين الآدمى وبين غيره ، أن الآدمى مسئول أمام خالقه عن الإفساد والفساد الذى يقع بقصد أو بغير قصد أو باختيار الآدمى ، فهو الوحيد ـ أى الإنسان ـ الكائن المكلف المسئول عما يفعل وعما يدع وعما يحسن وعما يسىء .

       وحياة نبى القرآن ـ عليه الصلاة والسلام ـ يميزها عن حياة غيره ، كونها مركزة على هذه المسئولية بدعوة داخلية قاهرة ملازمة ، لا يستطيع أن يهرب النبى من «صوتها » فى نهار أو ليل فى أى مكان أو زمان .

       لقد حدد القرآن المجيد معنى كلمة « النبوة » ، فأوضح أن النبى هو مبعوث الله ومصطفاه لينقل للناس ـ بلا زيادة ولا نقصان ـ ما أوحى إليه ربه وأمره بتبليغه ..

     النبى ليس بساحر ، وما كان للسحر أن يفلح أو تنهض عليه دعوة تنقل عـن السمـاء .. « وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى » ( طه 69 ) .

     وليس قول النبى أو ما ينقله عن ربه بقول شاعر .. « وَمَـا هـُوَ بِقَـوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ » ( الحاقة 41 ) .. « وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ » ( يس 69 ) .

       وليست النبوة ضربا من ضروب الكهانة ، ولا النبى كاهن يتعاطى الكهانة ويلقيها إلى الناس : « وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ » ( الحاقة 42 ) .. « فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ » ( الطور 29 ) .

   وليست النبوة ضربـا من الجذب أو الجنون المقدس .. « ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » ( القلم 1 ـ 4 )

       عن هذه النبوة يورد القرآن المجيد فى سورة الحاقة : « إِنَّـهُ لَقَـوْلُ رَسُـولٍ كَرِيمٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ » ( الحاقة 40 ـ 52 ) .

       عقيدة النبوة فى القرآن المجيد هى بهذا الصفاء والوضوح ، لا تختلط بشعـر ولا بسحـر ولا باستطلاع ولا بتنجيم ولا بكهانة ولا بعرافة .. هى تبليغ عن الله تعالى الخالق الواجد الماجد .

     لذلك فإن الرسالة المحمدية علمت الناس أن يعجبوا للنبوءات إذا لم تكن نبوءة للهداية وللإنذار والبشارة . « أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ … » ( يونس 2 ) .

     هذه هى النبوة المحمدية ..

     وهذه آية العمل الإلهى بين أعمال الناس .     ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *