فى مدينة العـقاد (201) ــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

نبوة الهداية

     واجب الانصاف يقتضينى الإقرار بأننى فيما كتبته سلفا ـ وأكثر من مرة ـ عن النبوة المحمدية ، قد استفدت كثيرًا وعمقت فهمى ونظرتى ، من كتابات الأستاذ العقاد فى هذا الموضوع ، سواء فى كتابه فى موكب النور ، أم فى كتابه عبقرية محمد ، أم فى كتابات متفرقة له نشرت فى مجموعات مختلفة .

     وأعاننى ما فهمته عن الأستاذ العقاد ـ على التوسع والإبحار فى هذا الموضوع ، فتعددت وتنوعت كتاباتى فيه ، ولكن يبقى الفضل لصاحبه فيما أمدنى من تعمق لازلت أجنى ثماره إلى اليوم .

     وطبيعى أن يمتزج عرضى لنبوة الهداية فى مطلع النور ، بما استفدته وتأثرت به من كتابة الأستاذ العقاد ، فإذا لم أستطع الفصل بين الأصل وبين الصورة ، فإن الواقع أن كلاهما مردود إلى الأصل ، يرحم الله صاحبة الأستاذ الذى أفاض وأبدع ، وأنار عقولاً وأفهامًا .

     على خلاف النبوات التى ختمت فى بنى إسرائيل قبل البعثة الإسلامية بنحو تسعة قرون ، جاءت النبوة المحمدية نبوة هداية ، ليست نبوة استطلاع للغيب ولا إفحام للعقول بالخوارق المفحمة المسكتة ، وإنما هى نبوة هداية أراد الله تعالـى لهـا أن تخاطـب وتفتــح « العقــول » و« البصائر » ، لا أن تفحمها وتقعدها عن النظر والتأمل والتدبر والتفكير والفهـم ـ ليست مهمة النبى أن يعلم الغيب « إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ » ( يونس 20 ) ، وعلمه عند الله ، « وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ » ( الأنعام 59 ) ، « يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ » ( الأعراف 187 ) .. هذا المعنى الفارق لم يكن محض تصور متروك لاستخلاص الناس أصابوا فى ذلك أم أخطأوا ، وإنما هو توجيه قرآنى صادر بأمر ربانى صريح إلى النبى أن يبدى للناس أنه ليس إلاّ بشراً رسولاً اصطفاه ربه لحمل وأداء الرسالة ـ « قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً .» ؟
( الإسراء 93 ) .. هذا الأمر الربانى ببيان جوهر الرسالة المحمدية ، ورد فى معرض نقد تعلق الناس بالخوارق الحسية التى ثبت بتجارب البشرية أن مآل أثرها إلى الانقضاء والانطمار .. فى ذات سورة الإسراء تقدمه لهذا الأمر والبيان الإلهى ، تنبيه واضح إلى الفارق الجوهرى بين نبوة هداية قوامها القرآن ، وبين التعلق الضرير بالخـوارق الحسية ! .. تقول الآيات الحكيمات : « قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا * وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَـا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَـى فِـي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً * » ( الإسراء 88 ـ 93 ) .. فى تماحى أثر الخوارق ، وتلمس المكابرين التعلاّت والأسباب للتملص منها ، يقول القرآن المجيد : « وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ » ( الحجر 14 ، 15 ) .. فليست الخوارق مما يغنى فى دعوة المكابر المعاند المفتون ، ولا هى أداة الدعوات لمواجهة ما يأتى به قابل الأيام !!

       لذلك أراد الإسلام لنبوة القرآن أن تكون نبوة فهم وهداية تدعو بكتابها المبين إلى النظر والتأمل والتفكير ، وليست نبوة استطلاع وتنجيم وخوارق وأهوال .. النبى ليس منجماً ولا عالمـا بالغيب ، وليست النبوّة نبوّة سحر أو رؤى أو أحلام أو قراءة طوالع وأفلاك .. « قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » ( الأعراف 188 ) .. لذلك حرص رسول القرآن أن ينحى عن أذهان الناس سمعة المعجزة المسكتة عندما جاءته ميسرة يوم كسفت الشمس وظن الناس أنها كسفت لموت ابنه إبراهيم ، فأبى عليهم ذلك ، ونبههم إلى أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفـان لمـوت أحد ولا لحياته .. ومع تعدد ما ورد فى المأثورات عن المعجزات والآيات التى صاحبت مولد محمد عليه السلام وطفولته ، إلاّ أن عنايته الكبرى كانت بلفـت انتبـاه الناس إلـى معجـزة القـرآن وما ينطوى عليه من آيات ومدد لا ينقطع .

     والقرآن المجيد ، حجة الإسلام الباقية إلى يوم الدين ، خاطب العقل كما خاطب الوجدان والضمير ، فى منهاج عميق دعا إليه حتى فى مسائل الإيمان والعقيدة .. « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ » ( آل عمران 190 ، 191 ) هذا التأمل المتعبد الفاهم الواعى ، هو قوة دفع ذاتية بآلية دافقة لا تنقطع .. تكفل للمتأمل فيها ديمومة المدد والأثر الفاعل فى الهداية والاستمساك بالعروة الوثقى إلى ما شاء الله رب العالمين .

(يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *