فى مدينة العـقاد (200) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

أوائل النبوَّات

      يشير الأستاذ العقاد إلى أنه من قديم الزمان رغب الناس فى العلم بالغيب واستطلاع المجهول ، وفقًا لعلامات كثيرة كزجر الطير والتفاؤل والتشاؤم بعلامات أو بكلام ، بيد أن الرغبة فى استطلاع الغيب ومواجهة المجهول لم تكن كلها من هذا القبيل .

     ومن قديم الزمن أيضًا وجد الكاهن « المختص » ووجد « الرائى » الملهم المزعوم أن الله يختاره للنطق بلسانه والجهر بوعده ووعيده ، ومع انتحال الرائين حالة الوجد أو الانجذاب أو الصرع ، كان الكهان هم الموكل إليهم التفسير وحل الرموز ، وكانوا يسمون الصرع بالمرض الإلهى .

     ولكن الفرق بين الرائى والكاهن لم يبق ملحوظًا فى الأزمنة المتأخرة كما كان ملحوظًا فى الأزمنة الغابرة ، وجعل العملان يصطدمان كثيرًا بعد ارتقاء الديانة .

     وقد وجدت الكهانة والرؤية بين العبرانيين من أقدم عصورهم كما وجدت فى سائر الأمم ، ولم يسموا الرائى عندهم باسم النبى إلاَّ بعد اتصالهم بالعرب فى شمال الجزيرة ، لأن اللغة العربية غنية جدًا بكلمات العرافة والعيافة والكهانة وما إليها .

النبوَّة والجنون

     عرف الأقدمون من العرب والعبرانيين كلمة النبوة قبل بعثة موسى عليه السلام ، ولكنها لم ترتفع بينهم إلى مكانتها الجليلة التى نعرفها اليوم دفعة واحدة ، وظلوا دهرًا طويلاً يخلطون بينها وبين كل علاقة بالغيب ، وخلطوا بينها وبين الجنون ، كما خلطوا بينها وبين السحر والكهانة والتنجيم والشعر ، وأضعف من شأن النبوة لدى بنى إسرائيل خاصة أن الأنبياء بينهم كثروا وتعددت نبوءاتهم ، وأحيانًا فى الوقت الواحد ، فتناقصوا وأقر بعضهم ما ينهى عنه آخرون ، فصاروا عندهم فريقين يتشابهون فى المظهر ويختلفون فى الرأى والصدق ، مع تعذر الفرز بين الصدق والكذب ، وغلبت عندهم عقيدة شائعة بذهول النبى وغيابه عن الوعى فى جميع أيامه أو فى أيام الوجد .

     ويؤخذ من سفر صموئيل الأول أن المتنبئين كانوا يظهرون جماعات جماعات ، وجرى الحديث فى ذات السفر عن أن الأنبياء يأتون « زمرة » .

     وعلى ما كان يعتريهم من حيرة من تعدد النبوءات ، لم يكن بهم غنى عن النبى الصادق الذى يحذرهم غضب الله ويبلغهم مشيئته ويملى عليه فرائضه وأحكامه .

     وعلى هذا انقسم المتنبئون لديهم أقسامًا ثلاثة : نبى يتكلم باسم الرب ، ونبى يتكلم باسم آلهة أخرى ، ونبى يتكلم باسم رب إسرائيل ولكنه يطغى بما فى قلبه على وحى ربه ، فيخلط بين ما يقوله هو بلسانه وبين ما يجريه الله على لسانه ليبلغه إلى قومه .

نبوءة الأحلام والرؤى

     ومن الحق فيما يرى الأستاذ العقاد ، أن يذكر أن المتنبئين لم يتطلعوا جميعًا إلى مكان النبوة العليا ـ نبوة القيادة والتعليم والتشريع . ولم تكن نبوة الكثيرين منهم مستمدة من شىء غير الأحلام والرؤى وجيشان الشعور ، ويذكر الأستاذ العقاد أمثلة لذلك من سفر أرميا ، ومن سفر صموئيل ، ومن سفر دانيال ، ومن سفر أشعياء .

     ويذكر أن الأنبياء الكبار خشوا على الشعب خطر المعجزات والآيات التى يدعيها المتنبئون ، لأنهم عرفوا عجائب السحر فى مصر وبابل وأشفقوا من فتنتها على عقول السواد .

دليل الأمان

     إن مهمة النبوة كما قام بها الأنبياء الكبار هى أعلى ما ارتفع إليه نظر الأقدمين من بنى إسرائيل وغيرهم إلى مقام النبوة ، فقد كانوا يعولون عليهم ويطلبون منهم ما لم يطلبوه قط من ذى ثقة أو مقدرة بينهم ، فانتهت بهم هذه المطالب كافة إلى غاية واحدة : وهى أن النبى « دليل أمان » . يقبلون منه التعليم والهداية ، ويطلبون منه هدايته لأنها دليلهم إلى الطريق الأمين ، ويستمعون له فيما يبلغهم به من أوامر الله ونواهيه .

     ويجب عليه فى نظرهم ـ قبل كل شىء ـ أن يعرف الغيب ليعرف الخطر المتوقع ، وربما ليكشف لهم ما يريدون معرفته .

     ولبثت مهمة النبى عندهم معلقة على دلالة الأمان فى المكان المجهول والزمان المجهول ، ولكنها دلالة الأمان من أخطار محسوسة .

     ولم يبلغ أحد من أنبياء بنى إسرائيل مكانة أعلى من مكانة يعقوب الذى إليه يُنسب بنو إسرائيل ، أو موسى الذى يدينون له بالشريعة ، ثم صموئيل وحزقيال وأرميا من أصحاب النبوءات غير المشترعين .

     وقد كان الإنباء بالغيب هو المهمة الأولى من مهام هذه الطبقة ليذكروا مصائر أفراد معلومين إلى جانب مصير الأمة .

(يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *