فى مدينة العـقاد (199) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

المسيحية فى الجزيرة العربية

     كان للمسيحية مدخل غير مدخل اليهود إلى الجزيرة العربية , فلم تأت إلى داخل الجزيرة عشيرة كبيرة أو صغيرة من المهاجرين , ولم يأت إليها قوم بلسان غير عربى كما حدث فى هجرة اليهود , ولكن المسيحية شاعت بين بعض قبائل العرب المجاورة للدول التى سيطرت على أطراف الجزيرة , وهى بيزنطة وفارس والحبشة .

     وقد مكث العواهل يحرمون المسيحية على رعاياهم على مدى قرن , ثم دانو بها على مذهب , وجاء من بعدهم من دانوا بمذهب آخر يعاديه بل ويرميه بالكفر والزندقة , ومن الناس من أقام مع عاهل بلاده طائعا أو مداريا , ومنهم من وجد متسعًّا فى بلاد أعدائه كفارس .

     ويذكر الأستاذ العقاد أنه قد أفلت إلى الجزيرة العربية آحاد من كل نحلة مسيحية غضب عليها عاهل القسطنطينية , فهاجر إلى الجزيرة فئات متفرقة من أتباع آريوس وأوريجون نسطور ولوسيان الأنطاكى وجماعة المشبهين وجماعة القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح والقائلين بالطبيعتين : الناسوت , واللاهوت .

       وكان نسطور بطريق القسطنطينية ينشر مذهبه بقوة الدولة , ثم عزل , وتعقبه خصومه بالنفى إلى أرض النوبة . ومحور مذهبه الفصل بين الطبيعتين : الناسوت واللاهوت فى السيد المسيح , ويرفض القول بتأليه العذراء .

     وكان الأنطاكى لوسيان يناقض تفسير الكتب الدينية بأسلوب المجازات , ويلتزم اللفظ والنص فى فهم المعانى والغيبيات .

     أما آريوس فكان يقول أن الكلمة هى واسطة الخلق , ويقول أوريجون إنها مخلوق محدث له الشرف على سائر المخلوقات .

       وكان هناك آخرون يقولون إن جسد السيد المسيح تشبيه بالجسد ولكنه ليس بالجسد المادى الذى يحاكى جسد الإنسان , وإنه فى لاهوته وأجلّ أرفع من أن يتعذب أو يتضرع , ومن ثم فإن صيحته عند الصلب لم تكن إيلى ! إيلى ! أى ربى ! ربى ! , بل كانت قوتى ! قوتى ! كما ورد فى بعض النصوص .

   ويذكر الأستاذ العقاد أن جورج سيريل مترجم القرآن ـ كان يعترف ـ فى مقدمة الترجمة ـ بما كانت عليه حال المسيحيين فى الحجاز من السوء والضلالة , ويفصل الحديث فى شرح هذه الحالة وأحوال القبائل التى تنصرت : حمير وغسان وربيعة وتغلب وبهراء وتنوخ وبعض طيىء وقضاعة وأهل نجران والحيرة ـ أما الكنيسة الشرقية فقد صارت مرتبكة بعد انفضاض مجمع « نيقية » ، وانشغلت بمناقشات لا تكاد تنتهى ، وانتفض حبلها بمحاكمات الأريوسيين والنساطرة واليعاقبة وغيرهم من أهل البدع .

     ومجمل القول إن الحالة التى تمثلت بها النصرانية فى جزيرة العرب ـ لم تكن حالة هداية يحيط بها مذهب واحد ، بل كانت شيعًا سياسية ومذاهب متنازعة ..

       والقرآن الكريم يصف هذه الحالة بين أهل الكتاب جميعا فيقول عن طوائف اليهود والنصارى« وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ * فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ » ( المائدة 12 ـ 14 )

*         *         *

     وهذه الحالة النصرانية فى الحجاز كما عهدها النبى عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه ، هى بهذه المثابة من مقدمات رد الفعل لا من مقدمات التمهيد والتحضير .

       وينبغى الاحتراس فيما ينبه العقاد من قول القائلين إن أحدًا من المتحنفين أو الحنفاء تنصر أو تهود على مذهب مفصل مستوعب لعقائد النصرانية أو اليهودية ، فكل ما صح من أخبار الحنفاء أنهم كانوا يعرفون أن الإيمان بالإله الواحد أهدى وأحكم من الإيمان بالأنصاب والأوثان .

     ومن المعلوم من القرآن الكريم ـ أن المشركين كانوا يقولون إنهم لم يعبدو الأرباب والأوثان إلاَّ ليقربوهم إلى الله زلفى ، وسيرد فى كلام الأستاذ العقاد عن الكعبة أن الحقبة التى سبقت البعثة المحمدية ـ شهدت طوائف من المجتهدين فى العبادة ، منهم طائفة « الحمس » ( طائفة من مشركى قريش ) التى اختصت الحرم وحده بالتقديس وتنسكت بضروب من العبادة لم يتبعها أحد من قبلهم فى الجاهلية .

     وحين وجد أصحاب النظر حاجة للبحث عن الدين الصالح ، استلهموا من كلمة « بيت الله » قبسًا يقربهم من الله ومن ديانة رب البيت وبانيه إبراهيم عليه السلام ، وقديما نسب الحجازيون أنفسم إلى إسماعيل بن إبراهيم ، وكذلك قال أصحاب التوراة وعلماء الأنساب .

     ومجمل القول أن الحقبة كانت حائرة بين العبادات ، ولم تكن عبادة منها تستأثر بضمير صاحبها أو تغنيه ..

     وأصدق وصف لهذه الحالة الدينية ـ فى عصر البعثة ـ فيما يقول العقاد ـ أنها حالة نقص فى كل نحلة وكل عقيدة ..

   والوحدة القومية مهدت للإسلام إلى حد محدود ، ويسرت له الأمر بالتوقع والانتظار ، ولكنها وقفت دون الغاية حين اصطدمت القومية بالدعوة الجديدة .

     ومع أهمية موقعة « ذى قار » التى انتصر فيها العرب على الفرس ، فى تكريس الوحدة القومية ، إلاَّ أن هذه الوحدة العربية كانت من قبل ذى قار ، بل ولعل هذه الوحدة القومية هى التى حققت هذا الانتصار .

     فبالوحدة القومية تمهد طريق الإسلام ، وبقوة الإسلام برزت من الوحدة القومية شريعة الإنسان وعبادة رب العالمين .                (يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *