فى مدينة العـقاد (198) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

وحدة الكعبة

     وافق ما أسلفه الأستاذ العقاد من أحوال شبة الجزيرة العربية ، زوال عرش الحيرة وعرش حمير ، واستكانة الغساسنة فى الشام .. للروم تارة ، وللفرس تارة ، بلا ولاء لهؤلاء أو أولاء ، وببقية من الفخر أنهم العرب .

     ولا شك أن إبقاء الإسلام على مكانة الكعبة دليل على حكمة الاحتفاظ بها رمزًا وقبلةً للعالم الإسلامى على اتساعه العميم ، حتى صارت عاصمة روحية للدين الجديد .

     ولو لم تكن للعرب وحدة معروفة بينهم قبل البعثة الإسلامية ، لما اعتزوا جميعهم بالبيت العتيق الجامع لهم هذا الاعتزاز ، فضلاً عن وحدة اللغة واللسان .

     ومن التاريخ الثابت ، فيما يشير الأستاذ العقاد ، أن أبناء الجنوب العربى لم ينقطعوا عن الشمال ، ولم تزل لهم آثار مكتوبة فيه إلى الآن ، وقد وُجدت بعض هذه الآثار بالخط الجنوبى واللغة الشمالية مما يدل على تشابه الكلام والنطق مع بقاء الكتابة بخط الجنوب .

     وقد حدثت فى تاريخ الجنوب حوادث متعاقبة نقلت زعامة الشمال إلى الشماليين وجعلت أهل الجنوب تبعًا لهم كلما وفدوا إلى الشمال ، وكان ذلك بعد قيام الدولة النبطية التى ازدهرت فى القرن الرابع للميلاد .

     وقد كان من أسباب ضعف الجنوب وقيام دولة النبط فى الشمال ، اضطراب أحوال اليمن بعد حروب الإسكندر ، وانهيار سد مأرب ، وانتشار القراصنة فى الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر ، وغلبة طريق القوافل التى تمر بالحجاز على الطرق الأخرى .

     وبمضى قرون على اتصال النبط بالحجاز ، جعل النبطيون يعظمون ما يعظمه الحجازيون ، فأقاموا تماثيل يعبدونها للأرباب كهبل واللاّت ومناة على غرار الأصنام التى كانت بالكعبة وفيما حول مكة ، وروى أن « عمرو بن لحى » نقل أصنامًا من بلاد النبط إلى
الكعبة .

     وبقى إعظام شأن الكعبة كمفخرة قومية وحرم إلهى ، حتى بعد سيادة الروم على غسان وتقلب الحبشة والفرس على اليمن . ثم جاءت وقعة « ذى قار » التى انتصر فيها العرب على الفرس بعد زوال دولة اللخميين فهزت الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ونمت على نخوة قومية عربية تمكنت من نفوس القبائل جميعًا .

     وقد صار فخر العرب بأنسابهم وجنسهم فيما بينهم ، وحلول اللغة عندهم محل العرش والدولة ـ صار علامة من العلامات التى تميزوا بها فى عرف علماء الأجناس البشرية .

     وظاهرة مكانة اللغة العربية وفخر العرب بها ، ظاهرة جليّة كفيلة بأن توضح للمستشرقين بغير بحث ولا عناء ـ أنه من غير المنطقى بل من المحال أن يجىء القرآن بمعجزة لغوية لأمةٍ خلت من مأثورات البلاغة فى شعرها وجوامع كلماتها ، حتى احتاجت لانتحال شعر يسد هذا الفراغ ، فما ذلك بمعقول ! وإنما المعقول الواضح الجلىّ أن القرآن نزل ببلاغته إلى قوم تميّزوا ببلاغة لغتهم وأشعارهم ، وليس من القياس المستقيم إذن الرجم بأن البلاغة الجاهلية لم تكن حقيقة واقعة ، وأنه اصطنعها الرواة اصطناعًا بعد الإسلام مساندةً للقرآن . فهذا قياس ضرير يغفل أن الجاهلى الكافر ما كان ليقدم على شىء من ذلك الانتحال مساندةً لقرآن لا يؤمن به !

     ويأخذ الأستاذ العقاد على المستشرقين أنهم لا يختارون للعرب مطعنًا غير اللغة والأنساب ، بينما هما درة الفخر العربى ، وأن يتحذلقوا على العلم بالتشكيك فى التاريخ العربى من أقدم عهوده , ثم يجىء العلم ليثبت بالكشوف المحسوسة صدق ما زعموا إدراجه فى باب الخرافة .

     ومن أقطاب هؤلاء المخرفين بين المستشرقين , فيما يورد الأستاذ العقاد , من أنكر عادًا وثمودَ وأنكر الكوارث التى أصابتهم وبلا حجة , ثم لا تلبث الكشوف العلمية أن تثبت أن عادًا ( Oadit ) وثمودَ ( Thamudida ) مذكورتان فى تاريخ بطليموس , وأن اسم عاد مقرون باسم إرم فى كتب اليونان , وأنهم فى اليونان يؤيدون تسمية القرآن لها بعاد إرم ذات العماد , كما عثر المنقب موزيل التشكى (Musil ) صاحب كتاب « الحجاز الشمالى » على آثار هيكل عند « مدين » منقوش عليه بالنبطية واليونانية ما يتضمن إشارة إلى قبائل « ثمود » .

       ومن أقطاب هؤلاء المخرفين أيضًا , من أنكر أبرهة ونكبة جيشه واهتمامه بتعطيل الكعبة وبنائه « القليس » فى صنعاء لصرف العرب بها عن الكعبة , ثم تنكشف النقوش عن اسم أبرهة على خرائب سد مأرب , ويتواتر الخبر عن الجدرى الذى تفشى فى منتصف القرن السادس للميلاد ، فيذكره « بركوب procobe » من وزراء القسطنطينية , ويروى الرحالة « بروس Bruce » الذى زار الحبشة فى القرن الثامن عشر ـ يروى أن الأحباش يذكرون فى تواريخهم أن أبرهة قصد إلى مكة ثم ارتد عنها لما أصاب جيشه من المرض الذى يصفونه بصفة الجدرى .

     ولم يسلم سد مأرب برمته من هذا التكذيب , وإعادة بناء قريش للكعبة بعد مولد النبى ، ثم تجىء بحوث المؤرخين الأوروبيين المعاصرين ومنهم « كروزويل » داحضةً لهذا
التكذيب .      ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *