فى مدينة العـقاد (197) ـ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     يذكر الأستاذ العقاد بأنه ليس أكثر من تعسف من ينكرون وحدة لغة الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية بجيلين أو بثلاثة أجيال , وهم لاهون فى اعتساف فروض أدبية لا تقبل التصديق تأييدًا لإنكارهم , ويضيف أنه ليس من قارئ للأدب يمكن أن يستسيغ القول بوجود طائفة من الرواة يلفقون أشعار الجاهلية العربية كما وصلت إلينا ويفلحون فى ذلك التلفيق .

     إذ معنى ذلك ( أولاً ) أن هؤلاء الرواة قد بلغوا ذروة الشاعرية التى بلغها امرؤ القيس والنابغة وطرفه وعنترة وزهير وغيرهم من فحول الشعراء فى الجاهلية حتى يستطيعوا انتحال شعر يُنْسب إليهم , ومعنى ذلك ( ثانيًا ) أنهم قادرون فى هذا الانتحال على توزيع الأساليب على حسب الأمزجة والأعمار والملكات الأدبية , فينتحلون لكلًّ ما يوافق مزاجه ومناسباته وأحواله , ومعنى ذلك ( ثالثًا ) أن هذه القدرة توجد عند الرواة ولا توجد عند الشعراء أنفسهم .

     وعلى ذلك فما من ناقد يسيغ هذا الفرض ببرهان فضلاً عن إساغته بغير برهان ولغير سبب .

     ونفهم من هذا أن الأستاذ العقاد يعارض معارضة شديدة مسببة ما كان قد اختطه الدكتور طه حسين فى كتابه « فى الشعر الجاهلى » , قبل أن يعدل ما جرى الاعتراض عليه ويعيد طبع الكتاب باسم « فى الأدب الجاهلى » ، على أنه يحسب للأستاذ العقاد أنه برغم رأيه ـ قد وقف إلى جوار الدكتور طه حسين ودافع عنه بشدة إبان الأزمة , إيمانًا منه بحرية الرأى والتعبير .

     ويستطرد الأستاذ العقاد إلى إن قبول هذه النظرية التى دحضها , يفترض وبلا منطق ولا دليل ـ وجود الرواة المتآمرين على الانتحال , وبتلك الملكة القادرة على نظم أبلغ الشعر .

تزوير الأدب الجاهلى مستحيل

     فحوى ما طرحه الأستاذ العقاد أن تزوير أدب كامل يُنْسب إلى الجاهلية مستحيل أو شبه مستحيل , وإذا جمعنا كل الشعر المنسوب إلى الجاهلية فى ديوان واحد , لرأينا أنه من المستحيل أو شبه المستحيل أن نجمع ديوانًا يماثله من كلام العباسيين أو كلام الأمويين المتأخرين , وإذا قل الفارق بين الشعر المخضرم والشعر الأموى الأول والشعر الجاهلى , فتلك آية على صحة العلامات التى تميز الشعر الجاهلى , وعلى صحة القرابة بينه وبين الشعر الذى لم يفترق عنه افتراقًا بعيدًا بزمانه وثقافة قائليه وبيئاتهم فى المعيشة ومناسبات التعبير .

المستشرقون وسوء الفهم

وسوء النية

     وكثير من المستشرقين يقرنون سوء الفهم بسوء النية , لأنهم يخدمون سياسة المستعمرين أو سياسة المبشرين المحترفين أو ينظرون فى بحوثهم نظرة الغربى الذى ينظر إلى الشرقى نظرة المتعالى عليه فى حاضره وماضيه . غير أنهم ما عدا القليل منهم محدودون سطحيون يحومون حول المسائل الحسية ولا يتوسعون فى النظر أو يتعمقون وراء الظواهر التى يلمسها شاهد الحس لمسا فلا تخرج عنده من حدود ما يثبته أو ينفيه من وقائع العيان والسماع .

     وغاية ما يقصدون إليه من أمر اللغة أنهم يلتمسون الأسانيد فيأخذونها بالشك والتجريح , ويسعون إلى هدم الدعائم القائمة لخدمة كل ادعاء وكل إنكار ، وهم فى تشكيكهم كالمنازع الذى ينكر على صاحب الدار وثيقته ولا يتجاوزها إلى أركان الدار, وتقديرهم لمسألة الشك فى وحدة اللغة أقل جدا من قدرها الصحيح فى مقدمات الدعوة المحمدية , إذ هى أصلح هذه المقدمات للدلالة على ما بعدها , وأصدق فى التمهيد لنتائجها فى طريق الدعوة المحمدي.

الفخر باللسان العربى

     إن الشعور بالعربية والفخر باللسان العربى مقدمة لابد منها ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ للدعوة التى تواجه العرب بآية البلاغة فى القرآن الكريم .

     ووحدة اللغة القرشية أو الحجازية لا تصبح من مفاخر العرب جميعًا كرامة لقريش أو لأرض الحجاز , ولكنها خليقة أن تسرى إلى نفوس العرب من حيث يشعرون بالعروبة الموحدة عالية الرأس غير مستكينة لسلطان من « العجم » على الخصوص ..

     والكعبة هى الجوار الوحيد الذى يشعر عنده العرب هذا الشعور .

     وشعورهم هنا بأنهم « عرب » لم يماثله شعور قط فى أنحاء الجزيرة العربية , وقد أوشك أن يشمل شعب اليمن وجمهرة أقوامه على الرغم من سادته وحكامه , فما كان هؤلاء الحكام لينفسوا على الكعبة مكانها ويقيموا لها نظيرًا فى أرضهم لو كان شعب اليمن منصرفا عنها غير معتز بها كاعتزاز البادية والصحراء .            (يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *