فى مدينة العـقاد (196) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

محنة المسيحية

     يقصد الأستاذ العقاد بهذ الفصل ، المحنة التى صادفت المسيحية والمسيحيين من الإضطهاد والتعذيب الذى باشره حكام البلاد الرومانية شرقًا وغربًا ، والذى لم ينته باعتناق من اعتنق منهم المسيحية ، فقد جعل يباشر نوعًا آخر ـ كحاكم ـ من الاضطهاد والظلم ، وجعل هؤلاء يدسون مطامعهم بين المختلفين على تفسير المسيحية الأولى ، وفرقوهم شيعًا متباغضة متنافرة ، ولم يكن خلاف المذاهب آنذاك كخلاف اليوم الذى يسمح بوجهات النظر ، بل كان يعمد إلى طرد المخالفين ويرميهم بالكفر والضلالة ، والمروق والهرطقه ، وتعددت النحل بين الأريوسية والنسطورية واليعقوبية والملكية تبعًا للأقوال فى الطبيعة الإلهية ومنزلة الأقانيم الثلاثة منها . ثم يأتى النزاع بين الكنيستين الشرقية والغربية فيأتى على البقيه الباقية من الثقة والطمأنية ، ولم يدع ركنا من العقيدة ببعيد عن الخوض فيه .

   وتمت المحنة الكبرى بالقتال الدائم بين الدولتين ، فإذا بالبلد الواحد ينقلب فى الحكم بين سيادة الفرس وسيادة الروم فلا تهدأ له حال فى نظام ولا فى سلام ولا فى معاش يأمن فيه الناس ، لا فى الدين ولا فى السياسة .

     وقد كانت هذه هى أحوال العالم ، أو هى مقدمات الدعوة الإسلامية من تلك الأحوال . ولكنها المقدمات التى تنتظر العناية الإلهية .

الجزيرة العربية
قبل البعثة المحمدية

     كان فى الجزيرة العربية مجوس ويهود نصارى ، وعرف أبناء الجزيرة هذه الأديان عن طريق القدوة الفردية فى رحلاتهم ومبادلاتهم مع الأمم المحيطة بهم .

     وكانت المجوسية معروفة فى قبائل تميم ومنهم زرارة . والأغلب أنها شاعت فى هذه القبائل لأنها كانت سهلة هينة عليهم لا تكلفهم بناء الهياكل ولا نحت الأصنام .

     ولعل أحدًا من هؤلاء لم يكن يلتفت إلى مجوسية المجوس إلاَّ حينما يحدث الزواج بين المحارم الذى لا يحله عامة العرب .

     وكانت اليهودية أعم انتشارًا من المجوسية فى الجزيرة العربية ، لأن المجوسية ظلت محصورة فى عشائر من العرب من سكان بين البحرين .

     ولكن اليهود كانوا يهاجرون بجملة قبائلهم من أرض كنعان كلما أصابهم القمع والتشريد . وقد هاجر بنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل جملة واحدى إلى يثرب .

     وكان ممن يسكن المدينة ، حتى نزلها الأوس والخزرج ، قبائل من بنى إسرائيل ، منها هؤلاء وبنو قينقاع وغيرهم ، وجماعة من أبناء اليهود فيهم الشرف والثروة والعز على سائر اليهود ، وكان معهم من غير بنى إسرائيل بطون من العرب .

     ولم ينزل اليهود بغير المدن والقرى التى تحميهم فيها الآطام والأبنية ، فنزلوا تيماء وفدك وخيبر واشتغلوا بالتجارة والصناعة فى المدن ، وزرعوا الأرض حولها للمرعى والاتجار فى محاصيلها .

     ويقال الكثير عن دخول اليهودية إلى اليمن ، وقيام دولة يهودية فيها بإمرة ذرعة المكنى بذى نواس . فلا خلاف فى وجود اليهود بين عرب الجنوب من أهل اليمن ، ولكن الخلاف فى تاريخ دخول اليهودية تلك البلاد ووسيلة دخولها .

     والاحتمال الراجح أن اليهود وصلوا إلى اليمن مهاجرين متفرقين ، وربما بدأت الهجرة من أيام السبى البابلى .

     ومن المعلوم ان الدولة الفارسية كانت تنازع الحبشة والروم فى أرض اليمن ، وكانت ترحب فى بلادها باليهود بعد إنقلابهم على الدولة الرومانية واشتهارهم بمعاداتها وموالاة أعدائها .

     والدولة الحميرية على عهد ذى نواس لم تكن دولة يهودية يقبلها اليهود ويدخلونها معهم فى عداد شعب الله المختار ، ولكنها كانت تحالف اليهود وتعمل على الاشتهار بمعاداتهم لاقناع فارس بولائها .

     على أنه أيا كان تاريخ اليهودية فى اليمن وفى بلاد العرب عامة ، فإنها لم تكن ذات رسالة دينيه أو روحية للصلاح والإصلاح ، ولم تكن معترفًا بها بين بنى إسرائيل فى غير الجزيرة العربية .

     ولم يكن اليهود قدوة حسنة فيمن حولهم ، بل كانوا نقيض ذلك فى كل علاقة بينهم وبين العرب أو بينهم وبين أنفسهم .

     ولما نشبت الحرب بين الأوس والخزرج تفرق اليهود بين الحزبين ، فكان بنو قينقاع مع الخزرج ، وكان بنو النضير وبنو قريظة مع الأوس .

     ولم يتحرك النضيريون والقرظيون لنصرة بنى قينقاع فى أزمتهم مع المسلمين حين صعد أحدهم على جدار يجلس النبى تحته ليلقى عليه صخرة من أعلاه ، ووصفتهم سورة الحشر بأنهم « لاَّ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ » ( الحشر 14 ) .

     ولقد عاش اليهود ما عاشوا فى جزيرة العرب ولم يؤثر عنهم قط اى سعى فى
سبيل مطلب من المطالب العامة والخاصة غير الاستكثار من الربح المشروع وغير المشروع .
   (يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *