فى مدينة العـقاد (195) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

مقدمات النبوة

     وأبواب مقدمات النبوة الإسلامية , أبواب واسعة , تتسع للبحث فى الحوادث التاريخية وفى الآيات الكونية .. والواقع أن تاريخ العالم كله هو تاريخ هذه المقدمات ..

     والنظر إلى ما كان فى العالم من سوء أو فساد أو انحلال , وغلبة السيئات فيه على الحسنات , يورى بأن الحاجة كانت ماسة إلى الدعوة الدينية ..

     والظاهرة التى كانت تطوى فيها الظواهر السلبية جميعًا ـ هى فقدان الثقة بكل شئ .

     ولا شك أن الثقة مطلوبة , وأن الإيمان هو دواء الداء الذى كان قد استشرى فى كل مكان ..

     ويقتضى النظر فى المقدمات , إلقاء نظرة على الأديان الكبرى التى شاعت فى العالم المعمور قبيل الدعوة المحمدية , وهى بترتيب قدمها : المجوسية , واليهودية , والمسيحية ..

المجوسية

     لم يكن أتباع أى دين من الأديان الشائعة قديمًا على استقرار فى عقيدتهم أو على ثقة بأحبارهم وأئمتهم , وكان أشدها اضطرابًا ديانة الفارسية أو دياناتها المتعددة التى تشملها
« الثنوية » أى الإيمان برب للنور ورب للظلام وعالم للخير وعالم للشر فى كون واحد .

     وكانت هذه المجوسية تستعصى على الدعاة المصلحين من أيام الوثنية الآرية الأولى التى اشترك فيها الهنود والفرس , وقد عمل « زرادشت » جهده لتطهيرها من الوثنية , ومن شعائر الهياكل والمحاريب الخفية فلم يتيسر له ذلك إلاَّ قليلاً .

     وجاء بعد « زرادشت » مصلحون من أتباعه , مزجوا الفلك بالتنجيم بالخرافة والعبادة فى نحلة واحدة , ولم يعرف عنهم الناس على البعد إلى عصر الميلاد ـ إلاَّ أنهم رصدة للكواكب والخفايا والغيوب من وراء حجاب الظلام .

وأراد « مانى » الذى تُنسب إليه « المانوية » ـ أراد فى القرن الثالث للميلاد أن يغلق باب الوثنية فى الشرق ويرجع إلى « ثنوية » قريبة من « ثنوية » زرادشت وتوحيد الفلسفة العقلية , فحول قومه من الكتابة البهلوية إلى الكتابة الآرامية أو السامية وكاد أن يفلح فى إقناع ولاة الأمر بآرائه فى الإصلاح والتنزيه , لولا أن أفسدتهم عليه دسائس الكهان والوزراء , فسجن ومات فى السجن وقيل إنهم سلخوه وعلقوه مصلوبًا لسباع الطير .

     ثم كانت الطامة الكبرى ـ فيما يقول العقاد ـ فى عهد « قباذ » أبى كسرى أنوشروان الذى حضر بعثة النبى محمد وتلقى رسالته إليه بالسخط والوعيد ..

     ففى عهد « قباذ » ظهر « مزدك » داعية الإباحة والفوضى فى الأموال والأعراض , ولم يتزحزح خطوة واحدة من الثنوية إلى التوحيد أو ما يشبه التوحيد .. وقال كما قال
« مانى » إن العالم كله فى قبضة إله النور وإله الظلام , وزاد عليه أن النور يعمل بالقصد والاختيار , وأن الظلمة تفعل بالخبط والعشواء .. أى أن النور عالم حساس والظلمة جاهلة عمياء .

     وزعم « مزدك » أنه جاء ليبطل الخلاف بين العقائد والأمم , وينهى عن المباغضة والقتال , ولأن أكثر ما يقع بسبب الناس والأموال , فإنه قد أحل النساء وأباح الأموال , وجعل الناس شركاء فيهم كاشتراكهم فى الماء والنار والكلأ ..

     ويقال عن « مزدك » هذا إنه كان عظيم الدهاء خبيرًا بفنون الإغراء والإقناع .. وإنه بلغ من سلطانه على « قباذ » ( أبى كسرى أنوشروان ) أن أقنعه ببذل زوجته لمن يشتهيها ليعلم الناس الصدق فى إيمانه ويقتدوا به فى ترك التباغض والملاحاة فى الأعراض والعروض .. ويقال إنه كاد أن يستجيب ـ لولا أن تضرع إليه باكيًا ولى عهد كسرى ألا يذله هذا الإذلال ويبتذل أمه أمام الناس هذا الابتذال !

     وعلى الرغم من تتابع المصلحين واجتهادهم فى تطهير الديانة المجوسية من الوثنية والمراسم الهيكلية ، حالت ديانتهم الغارقة فى الأرواح والشياطين بينهم وبين التوحيد ، بل بينهم وبين « الثنوية » على بساطتها الأولى .. ولا يزال المجوس إلى اليوم يبدأون صلاتهم بعد منتصف الليل ، ويقضون ساعات الصلاة الأولى فى تلاوة الأناشيد التى يسترضون بها شياطين الظلام ، قبل انبثاق النور الأعظم عند الصباح !

اليهودية والمسيحية

     أما اليهودية فقد كان قيام المسيحية فى معقلها الأكبر إيذانًا حيًّا بنفادها وانتهائها إلى غاية الجمود والضيق . إذ كانت المسيحية فى الواقع إصلاحًا واسعًا فى جميع العقائد اليهودية التى جمدت على المراسم والنصوص وتحولت من الدين إلى نقيض الدين .

     بل وكانت قد ظهرت فى عصر الميلاد عقائد إصلاح بين اليهود أنفسهم ، منها ما تبناه « فيلون الحكيم » وغيره من أصحاب العقائد التى استقصاها الأستاذ العقاد واستقصى ما كانت تطرحه من أفكار بما فى ذلك الثورة على تفسير وعد إبراهيم بأسلوب العصبية والأنانية .

     فلما سرى الإصلاح المسيحى مسراه ، تجاوب معه الراغبون فى الإصلاح أو المستعدون له ، بينما بقى الجامدون على جمودهم بل وعلى أشر مما كانوا عليه قبل الدعوة المسيحية . وقد جنى العناد والإصرار على الباطل ـ جنى جنايته المعهودة فذهبت ريح الكهانة والمراسم الهيكلية وتفرقت مراجع الديانة اليهودية مع كل مجمع وكل معبد وكل طائفة ذات مذهب فى التوراة أو التلمود أو تقاليد الأحبار والربانيين . وكان من آثار هدم الهيكل سنة سبعين للميلاد أن أشياعه فقدوا وحدة العقيدة والروح .

     وعلى هذا الحال كان يهود العالم فى عصر البعثة المحمدية : بين أشتات يذهب كل منها مذهبه على حسب المجمع أو المعبد الذى ينتمى إليه ، وبين شراذم متعنتين فى الجمود على الحروف والنصوص ، ويرجعون بهذه النكسة إلى الداء الذى قامت المسيحية لإصلاحة قبل بضعة قرون ، فتجددت الحاجة إلى الإصلاح .

(يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *