فى مدينة العـقاد (193) ـــ مطلع النور

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     لا تملك وأنت تتابع الأستاذ العقاد فى تتبعه الصبور لهذه الكتابات والمراجع ، إلاَّ أن يملأك الإعجاب بإخلاصه وصبره ودأبه ، ولا تكاد تتعاطى جرعة من الإعجاب إلاَّ وتلاحقك جرعات أخرى من فرط إبحار هذه القامة الفريدة فى بحور المعرفة بحثًا عن كل جديد
وأصيل .

     ينقل الأستاذ العقاد عن هذه الجماعة الأحمدية الهندية ، تعليقها على هذه النبوءات ، وقولها إن هذه النبوءات : « نبوءة بظهور الإسلام . فقد اصطدم الإسلام فى صدر الدعوة بدولة الرومان ثم بدولة فارس ، وكانت دولة الرومان يومئذ قد بسطت سلطانها على ملك الإغريق الإسكندرى فبلغت من المنعة غايتها ، وكانت دولة فارس قد بسطت سلطانها على بابل ، ثم ضربتهما قوة الإسلام فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة معًا وصارت كعصافة البيدر فى الصيف ، وهكذا ينبئ ترتيب الحوادث وتعبيرها فى رؤيا دانيال إنباء لا ريب فى معناه .. إذ كلنا نعلم أن بابل خلفتها فارس وميدية وأن سطوة فارس وميدية كسرتها سطوة الاسكندر ، وأن ملك الاسكندر خلفته الدولة الرومانية التى أقامت من عاصمتها القسطنطينية أركان مملكة أوروبية آسيوية ، ثم انهزمت هذه المملكة وأدال منها الفتح الإسلامى وغزوات النبى والصحابة » .

*           *           *

     وجدير بالذكر أنه يتبين من كلام السيد المسيح فى الإصحاح الحادى والعشرين من إنجيل متى ، أن هذه النبوءة تنبئ عن زمن غير زمن السيد المسيح .

     هذا وبعد ما أفضت نبوءة « دانيال » إلى عقباها حيث يصبح الحجر ( المرموز به ) جبلاً عظيمًا ويملأ الأرض كلها ـ تتم نبوءات العهد القديم بنبوءات العهد الجديد ، وتستشهد الجماعة الأحمدية الهندية بالإصحاح الحادى والعشرين من إنجيل متى حيث يقول السيد المسيح « إسمعوا مثلاً آخر . كان الإنسان رب بيت غرس كرما وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجا وسلمه إلى كرامين وسافر ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرّامين ليأخذوا أثماره . فأخذ الكرّامون عبيده وجلدوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بعضا ، ثم أرسل إليهم ابنه أخيرا قائلا إنهم يهابون ابنى . فأما الكرّامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه ، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه ، فمتى جاء صاحب الكرم فماذا يفعل بأولئك الكرّامين ؟.. قالوا له إنه يهلك أولئك الأردياء يهلكهم هلاكا رديًّا ( رديئا ) ، ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطونه الأثمار فى أوقاتها .. قال لهم يسوع : أما قرأتم قط فى الكتب أن الحجر الذى رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية ؟.. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى أعيننا !. لذلك أقول لكم إن ملكوت الله يُنْزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره ، ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه . ولما سمع الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم ، وإذ كانوا يطلبون ( يريدون ) أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبى » ( متى 21 : 33 ـ 46 ) .

     عذرًا للإطالة ، فليس أمامى إلاَّ أن أنقل لكم النصوص كما نقلها الأستاذ العقاد فى كتابه ، فذلك لازم ليصل معنى النبوءة بلا مظنة التدخل فى صياغتها ، وإذا كان الأستاذ العقاد قد ترك لقارئه أن يجتهد ويبحث للوصول إلى أرقام الآيات فى الإصحاحات وأسفار العهد القديم وأناجيل العهد الجديد ، فإننى قد وفرت على القارئ هذا العناء ، وأشفعت النصوص ببيان رقم كل إصحاح فى كل سفر من أسفار العهد القديم أو أناجيل العهد الجديد ، وكذا أرقام الآيات التى حملت هذه النبوءات بكل إصحاح من هذه الأسفار .

     وقد أورد الأستاذ العقاد تعقيبًا على آيات الإصحاح الحادى والعشرين من إنجيل متى ، أن كُتَّاب مقدمة ترجمة القرآن للإنجليزية من الجماعة الأحمدية ، قد أثبتوا بهذه المقدمة بحثًا أبدوا فيه أن السيد المسيح بما قاله وتضمنه إنجيل متى وأسلفناه ، قد لخص به السيد المسيح تاريخ الأنبياء والرسل أجمعين . فالكرم هو الدنيا والكرّامون العاملون فيه هم الجنس البشرى الكادح فى دنياه ، والثمرات التى يريد صاحب الكرم أن يحصلها هى ثمرات الفضيلة والخير والتقوى ، والخدم الموفدون من صاحب الكرم إلى الكرّامين هم الرسل والأنبياء ، ولما جاءهم السيد المسيح بعد إعراضهم عن الرسل والأنبياء فغدروا به وأنكروه عوقبوا بتسليم الكرم إلى كّرامين آخرين ونزع ملكوت الله منهم لتعطاه الأمة الأخرى الموعودة بالبركة مع أمة إسحاق ، وهى أمة إسماعيل ونبيها العظيم محمد عليه السلام ، وهو الذى يصدق عليه وعلى قومه إنهم كانوا الحجر المرفوض فأصبح هذا الحجر زاوية البناء من سقط عليه رضه ومن أصيب به فهو كذلك مرضوض .

     وتتلو هذه النبوءات نبوءة متممة فى إنجيل متى أيضا ، حيث جاء به خطابًا لبنى إسرائيل « هو ذا بيتكم يترك لكم خرابًا ، لأنى أقول لكم إنكم لا تروننى من الآن حتى تقولوا مبارك الآتى باسم الرب » ( متى 23 : 38 ، 39 ) .

     ويعقب كُتَّّاب المقدمة للترجمة الإنجليزية للقرآن ، على هذه النبوءة ، وعلى ما جاء على لسان يوحنا المعمدان بالإصحاح الأول من سفر يوحنا ، بأن هذه النبوءات كانت ثلاثًا فى عصر الميلاد المسيحى : نبوءة عن عودة إيليا ( يحيى المغتسل ) ، ونبوءة عن مولد السيد المسيح ، ونبوءة عن نبى موعود غير إيليا وغير السيد المسيح .. وهو نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام .   (يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *