فى مدينة العـقاد ـــ (189) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الموقف الأخير

     عن دلالة الموقف الأخير على منهاج السيد المسيح فى استخارة الحوادث ، أورد الأستاذ العقاد أنه عليه السلام سهر ليلة الوداع يصلى ويناجى ربه قائلا : « اعبر عنى هذه الكأس يا أبتاه .. كما تريد أنت لا كما أريد أنا » .. ثم أيقظ تلاميذه النيام وقال لهم : « اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة . أما الروح فنشط وأما الجسد فضعيف » .

     أعد عليه السلام عدته لمواجهة أعدائه حيث لابد من المواجهة ، وأعد العدة لاستبقاء عزيمة تلاميذه ، فطفق يهيئ أذهانهم لتحمل ما سوف يلقونه من بلاء ، وليوطّنوا أنفسهم على أسوأ ما يكون ، وألاَّ ييأسوا إذا غلبهم الضعف فتفرقوا عنه ..

     وتروى الأناجيل أنه عليه السلام دخل إلى بيت المقدس على ظهر أتان كما جاء فى بعض النبوءات ، وأنهم كانوا يحملون السعف أمامهم ويفرشون ثيابهم تحت أرجل مطيّته ، ويهتفون بهتاف النصر .

     ويفهم من وصايا السيد المسيح أنه ظل فى بيت المقدس يرعى للكهان والفقهاء مكانتهم ولا يقلقهم على ما هم حريصون عليه من حقوقها ودعاواها ..

     إلاَّ أنه لمس من اللحظة الأولى فى بيت المقدس ـ مكامن الإشراك التى تترصد له فى كل خطوة ، وعرف من الأسئلة التى كانت تنهمر عليه أنهم يأتمرون به لإهلاكه .

     ثم حدث ما كان لابد أن يحدث فى هتك حجب الرياء .. ولم يلبث أن اشتبك سماسرة الهيكل فى معركة أدبية مع السيد المسيح لم تلبث أن انقلبت إلى معركة يدوية .

     وكانت هذه هى الواقعة الفاصلة على يظهر ..

     وهنا ينتهى دور التاريخ ويبدأ دور العقيدة ..

     فليس للتاريخ كلمة راسخة فى أخبار ما أعقب حادثة الهيكل وتحرك كهانه للبطش والنكاية ..

     وفى حادثة المحاكمة يجرى الخبر على أنه عليه السلام ـ حوكم بالليل وصدر الحكم فى يوم واحد ، ويجرى نظام القضاء الموسوى ـ فيما يقول العقاد ـ على تحريم المحاكمة الليلية وإسقاط كل حكم يصدر فى قضايا الدم بعد جلسة واحدة فى يوم واحد ، وألاَّ ينفذ الحكم فى هذه القضايا إلاَّ إذا صدر بالإجماع ..

     ويجرى الخبر على أنه تم الحكم على الرغم من إعلان الحاكم الرومانى براءة المحكوم عليه .. ويقول إنجيل يوحنا إن تسليمه عليه السلام للتنفيذ كان فى نحو الساعة السادسة ، ويقول إنجيل مرقس إنها كانت الساعة الثالثة .

     ويعرض الأستاذ العقاد هنا للبحث الدقيق الذى أجراه الأستاذ « ريتشارد هزباند » فى كتابه تواريخ عيد الفصح فى خمس سنوات من سنة 27 إلى سنة 33 للميلاد ..

     ويروى نقلة الأخبار أن القبر فتح فى اليوم التالى فلم يوجد الجثمان ، وأن السيد المسيح ظهر للتلاميذ مرات وقال لهم حين توهموا أنه طيف : « جسّونى وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام » .. « وسألهم أعندكم هنا طعام ؟.. فناولوه جزءً من سمك مشوى وشيئا من شهد عسل فأخذ وأكل » ( لوقا 24 : 39 ـ 43 )

     ويشير الأستاذ العقاد إلى ما تناوله فى هذا الخبر ـ طائفة من أقطاب العلم واللاهوت ، ولكنه يتوقف عند أحد الأخبار التاريخية الذى لا يصح إغفاله فى هذا الصدد ، وهو خبر الضريح الذى يوجد فى طريق « خان يار » بعاصمة كشمير ويسمونه هناك ضريح النبى أو ضريح عيسى ، وروى تاريخ الأعظمى الذى دوّن قبل مائتى سنة أن الضريح لنبى اسمه « عوس آصاف » ويتناقل أهل كشمير عن آبائهم أنه قدم إلى هذه البلاد قبل ألفى سنة ، وينقل المولوى محمد على فى ترجمته للقرآن الكريم عن كتاب عربى يسمى « إكمال الدين » محفوظ من ألف سنة أن اسم « عوس آصاف » مذكور فيه وأنه قال عنه إنه رحالة ساح فى بلاد كثيرة وإن كتاب « برلام ديوشافاط » فى صفحة ( 111 ) يذكر عن عوس آصاف أنه صاحب « بشرى » وأنهم يحفظون مثلا من أمثاله فى تعليمه يشبه مثل المسيح عن الزارع والبذور .

     ولقد أورد المولوى محمد على هذا التعليق فى تفسير الآية الكريم : « وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ » ، وأورد تعليقًا يقرب منه فى تفسير قوله تعالى : « إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ » ، وغيرهما من الآيات القرآنية التى تناولت حياة عيسى ابن مريم عليه السلام .

*           *           *

     وقبل أن يصل الأستاذ العقاد إلى فصل الختام ، ينوّه إلى أن كتابه مقصور على غرض واحد وهو جلاء العبقرية المسيحية فى صورة عصرية ، نفهمها الآن كما نفهم العبقريات على أقدارها وأسرارها .

لو عاد المسيح

   يشير الأستاذ العقاد إلى موقف فى إحدى روايات الكاتب الروسى العظيم « دستويفسكى » ، حين تخيل أحد أبطال الرواية أن السيد المسيح عاد إلى الأرض فى طوفة عابرة فماذا عسى أن يحدث أو يقال .. وكيف قيل له عليه السلام إنه كلف الناس ما ليس لهم به طاقة . كلفهم حرية الضمير ومؤنة التمييز .. كلفهم أن يعرفوا الخير والشر لأنفسهم ، وكلفهم أوعر المسالك فلم يطيقوا ما كلفهم به وشقيت مساعيهم بما طلب منهم ..

   ليست حرية الضمير مطلبا محدود المسافة ، يرحل إليه الإنسان ، ثم يصل إليه ويقعد عنه ، ويكف بعده من كل عناء

     إنما حرية الضمير جهاد دائم وعمل دائب ، يتقدم فيه الإنسان شوطًا بعد شوط ، أو طبقة فوق طبقة ، ولا يفرغ من جهاده يوما إلاَّ لينظر بعده إلى جهاد مستأنف ولا يودع الشر فى مرحلة من مراحله إلاَّ ليلقاه ويجاهده ، ولن يلقاه فى سلام ..

     وإنما تقاس الأديان بما تودعه النفوس من القيم والحوافز ، وبما تزيده من نصيب الإنسان فى حرية الضمير أو فى حرية التمييز بين الحسن والقبيح ، وقد عملت الأديان كثيرا ولا تزال قادرة على العمل الكثير ، ولكنها لن تغنى الإنسان يوما عن جهاد الضمير .

     وهنا يصل الأستاذ العقاد إلى مسك الختام فيقول : « وسيعلم الناس فى العصر الحديث ـ إنْ لم يكونوا قد علموا حتى اليوم ـ أن عقيدة الإنسان شئ لا يأتيه من الخارج فيقبله مرضاة للداعى أو ممتنا عليه , ولكنها هى ضميره وقوام حياته الباطنية .. يصلحه إن أحتاج إلى الإصلاح , كما يصلح بدنه عند الطبيب وهو لا يمتن عليه ولا يرى أنه عالج نفسه لمرضاته . فالعقيدة مسألة الإنسان , لا شان للأنبياء بها إلا لأنها مسألة الإنسان , وعليه إذا عالج إصلاحه أن يعالجها كما يعالج جزءا من نفسه بل كما يعالج قوام نفسه , ولا يعالجها كأنها بضاعة يردها إلى صاحبها ويفرغ من أمرها , فلا فراغ من أمر العقيدة إلى آخر الزمان .. »

      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *