فى مدينة العـقاد ـــ (188) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     كان لقاء السيد المسيح بيوحنا المعمدان مفرق طريق فى السيرة المسيحية فيما ذكر الأستاذ العقاد سلفًا , فكانت سيرة السيد المسيح قبله تأهبًا واستعدادًا وأملاً , وكانت سيرته بعد اللقاء رياضة وامتحانًا وعزيمة , , وقد دارت روايات الأناجيل والرسالات الملحقة بالعهد الجديد حول سر الرسالة المسيحية , وما أحاط بها من رجاء الناس من المسيح الذى ينتظرونه أن يعم الخير ويبطل العناء فى طلب الأرزاق ويصبح الخبز متوفرًا لمن يطلبه كتوفر حجارة الطريق . فهل تكون كلمات يوحنا للمسيح أول وحى نبوى بالرسالة المسيحية ؟

     واضح غاية الوضوح فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ أن الكلمات الحية لم تطرق مسامع السيد المسيح إلاَّ وفتحت فى نفسه الصافية بابًا للتأمل والتساؤل , وأن فترة الخلوة فى البرية على أثر ذلك كانت فترة اعتكاف لاستخلاص الحقيقة من أعماق الضمير والاستعانة بالصيام والتهجد على مناجاة الغيب والاستقرار على عزيمة خالصة للإقدام على خطوة حاسمة يريدها الله ويبطل فيها الإبهام والإحجام .

     ويرى الأستاذ العقاد أن أَنْفس خبر يعين على التعريف بمنهاج الإيمان فى نفس الرسول العظيم هو هذا الخبر عن تجربة الوحدة فى البرية .. فهو يفسر لنا كثيرًا من مواقف السيد المسيح جميعًا ..

     خرج السيد المسيح من العزلة إلى الرسالة . ولم يقل لأحد أنها رسالة مسيح , بل سكت عن ذلك حتى تسامع الناس بدعوته وأصبح له أكثر من ثمانين تلميذًا يبشرون برسالته ..

     اصطبغت رسالته الأولى فى الجليل بصبغة مميزة وهى صبغة الرسالة القومية إلى إسرائيل , وحرص عليه السلام أشد الحرص ألاَّ يثير الناس على السلطان الحاكم وألا يثير السلطان الحاكم عليه .. فكان يؤثر المباعدة والتقية ما استطاع .. حتى بلغ الكتاب أجله وانتقل إلى الخطوة التالية بدعوة الإنسانية العامة وهى استخارة للحوادث واستلهام للغيب فى ميدان أوسع وأبقى ..

     أما الصفة التى ثبتت له عليه السلام فى طوية ضميره فقد تكررت فى كلامه على صور شتى , فهو نور العالم وخبز الحياة والكرمة الحقيقية وهو ابن الله وابن الإنسان .

     والأبوة الإلهية قد وردت فيما يقول العقاد ـ فى مواضع متعددة من كتب الأنبياء , فجاء فى سفر التكوين أن الملائكة أبناء الله « وأن أبناء الله رأوا بنات الناس فاتخذوا منهن زوجات » .. وورد فى كلام موسى عليه السلام أن بنى إسرائيل جميعًا أبناء الله حين قال لفرعون : « دع ابنى يخرج » , ووردت بهذا المعنى فى كتب أخرى كسفر التثنية حيث
جاء فيه « أنتم أبناء الله » ( التثنية 14 ) , وأشير إلى الشعب كله بأنهم أبناؤه وبناته ( التثنية 32 ) .. ووردت أكثر من مرة فى المزامير , من ذلك : « قدموا للرب يا أبناء الله » ( المزامير 29 ) و « من يشبه الرب من أبناء الله » ( المزامير 89 ) .. كذلك وردت فى هوشع وجاء فيه عن خطاب الشعب : « أنتم أبناء الله الحى .. » .

   أما العهد الجديد فمخاطبة الله فيه باسم الأب وردت فى الصلاة التى تبتدئ بدعاء الله « أبانا الذى فى السماوات » ..

     أما ابن الإنسان فقد وردت فى العهد القديم باللغة الآرامية « بارناشا » وباللغة العبرية « ابن آدم » , وتطلق فى اللغتين على الإنسان الخالص ..

     وقد وردت تسعين مرة فى سفر حزقيال , ووردت مرة فى سفر دانيال بلسان جبريل وهو يخاطب النبى باسم ابن الإنسان .

     أما فى كتب العهد الجديد فقد وردت فى مواضع منها بمعنى « الإنسان » , ومنها قول السيد المسيح فى إنجيل متى « كل خطيئة وتجديف يغفر للناس , ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له , وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا فى هذا العالم ولا فى العالم الآتى » .

     وورد فى إنجيل متى ( 16 ) : « انه لما جاء يسوع إلى نواحى قيصرية فيلبس سأل تلاميذه قائلا : « من يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان » , وورد فى فى إنجيل مرقس ( 8 ) : « ثم خرج يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية فيلبس وفى الطريق سأل تلاميذه قائلا : « من يقول الناس إنى أنا ؟ » .

     فهى فى بعض الأناجيل مرادفة أو بديل عن ضمير المتكلم حين يتكلم السيد المسيح عن نفسه , مع ملاحظة أن التلاميذ قد عرفوا استخدامها فى هذا السياق فلم ينادوه قط باسم ابن الإنسان .

     وهذه هى الأسماء التى تسمى بها السيد المسيح فى إبان دعوته الأولى أو عند نهايتها , وفى أثناء هذه الدعوة كان يُدْعى أحيانا بالمعلم الصالح فيقول : « لماذا تدعوننى صالحًا ؟ .. ليس أحدٌ صالحًا إلاَّ واحدًا , وهو الله » .

   وغنى عن القول أن هذه الأسماء إنما كانت تفهم كما تعود قراء الكتب الدينية أن يفهموها فى ذلك الحين , ولم يوص السيد المسيح تلاميذه بأن يفهموا منها غير ذلك حين يذكرون « ابن الله » أو « ابن الإنسان » .

     ويرى الأستاذ العقاد أن الأمور لو جرت فى مجراها هذا الذى استقامت عليه الدعوة فى الجليل من بعد الرسالة المسيحية ـ لمضت هذه الرسالة فى طريقها سنوات دون أن تشتبك فى حرب صراح مع دولة الكهانة فى بيت المقدس .

     ولكن الحوادث حكمت حكمها فى السنة التى تحسب الآن سنة ثلاثين للميلاد . وحان موعد عيد الفصح وزيارة بيت المقدس كما جرت عادة الأسر اليهودية , ومنها أسرة السيد المسيح : أمه وأخواته وذوو قرباه , وكان عليه السلام يجارى أسرته فى هذه الشعائر , فوجب الذهاب إلى بيت المقدس ووجبت العلانية , ولا محيد عن الواجبين , فكانت الآية الإلهية ما تسفر عنه الحوادث بعد حين .      ( يتبع )

    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *