فى مدينة العـقاد ـــ (187) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

شراح الأناجيل

     يلاحظ الأستاذ العقاد أنه رغم الجهود المضنية التى بذلها شرح الأناجيل ، بترتيب الحوادث فى سيرة السيد المسيح عليه السلام ، إلاَّ أنهم لم يصلوا إلى ترتيب متفق عليه ، لأن سياق الحوادث مختلف فى الأناجيل الأربعة .

     ومع ذلك فهو يرى أن الاعتداد بالمقدمات والنتائج اللاحقة على المقدمات فى سير الحوادث ، يساعد على الوصول إلى متابعة السيرة ولو على الترجيح فى خطوطها الكبرى .

     كان لقاء المسيح ليوحنا المعمدان مفرق طريق فى السيرة المسيحية ..

   ولم تذكر لنا الأناجيل قبل هذا اللقاء غير حادثتين : إحداهما السفر إلى مصر وهو رضيع ، والأخرى حادثة السفر إلى بيت المقدس وهو فى الثانية عشرة من عمره .

     روى الحادثة الأولى إنجيل متى ، وذكر قتل هيرود جميع الصبيان الذين فى بيت لحم وتخومها ، ولم يذكر خبر هذه المذبحة فى غير إنجيل متى ، ولا يُعرف الآن سبب وجود الأسرة فى بيت لحم وهى فى الناصرة .

     أما الإنجيل الذى توسع فى وصف طفولة السيد المسيح فهو إنجيل لوقا ، الذى روى أخبار ختانه وتسميته والسفر به إلى بيت المقدس ..

     قال إنجيل لوقا : « وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم فى عيد الفصح ، فلما كانت له اثنتا عشرة سنة صعدوا إلى أورشليم كعادة العيد ، وبقى الصبى عند رجوعهما فى أورشليم ويوسف وأمه لا يعلمان . وإذ ظناه بين الرفقة ذهبا مسيرة يوم وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف ، ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يطلبانه ، فوجداه بعد ثلاثة أيام فى الهيكل جالسا فى وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم ، وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته ، فلما أبصراه دهشا وقالت له أمه : يا بنى . لماذا فعلت بنا هكذا ؟ .. فقال لها :
« لماذا كنتما تطلباننى ؟! ألم تعلما أنه ينبغى أن أكون فى ما لأ بى » . فلم يفهما الكلام الذى قاله لهما ، ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعا لهما .. وكان يتقدم فى الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس » ..

     ولا يذكر الإنجيل شيئا عن نشأة الصبى بعد ذلك إلى أن بلغ الثلاثين وظهر يوحنا « بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا » وحينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن ليعتمد منه ـ كما ورد فى إنجيل متى ـ فمنعه يوحنا قائلا : أنا محتاج أن اعتمد منك وأنت تأتى إلى ؟ .. فأجابه يسوع تسمح الآن ، لأنه هكذا يجمل بنا أن نستوفى كل بر . فسمح له ، فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء .. وإذا السماوات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه ، وصوتا من السماوات يقول : هذا هو ابنى الحبيب » ..

     وفى إنجيل غير الأناجيل الأربعة المعتمدة ـ وهو إنجيل العبريين ـ رواية عن هذه الفترة من سيرته عليه السلام جاء فيها أن أمه وأخوته قالوا له إن يوحنا المعمدان يوالى التعميد لغفران الخطايا فهلم بنا إليه ليعمدنا .. فقال لهم : « أى خطيئة جنيت حتى أذهب إليه لتعميدى ! .. اللهم ألا أن يكون هذا القول الذى قلت » .

     وليس فى الأناجيل الأربعة المعتمدة أو غيرها خبر عن تعليم السيد المسيح فى طفولته قبل الثانية عشرة وبعدها ، ولكنه يغلب أن يكون قد تعلم وفقا للسارى فى أوانه ، ولا يبعد أن يكون الصبى المبارك قد وعى جميع الدروس التى يتعلمها الصغار فى القرى وهو فى الثانية عشرة من عمره ، واستمع إلى شئ جديد من فقهاء الهيكل وأحباره .

     ويغلب على الظن أنه كان على صله وثيقة بيوحنا المعمدان ، وأن يوحنا قد رآه وعرفه وعرف فضله وطهارة سيرته قبل أن يلقاه فى الأردن عندما تصدى لرسالة التعميد .. ومن البديهى أن كلمات يوحنا مع الفتى ابن الثلاثين ساعة التعميد لم تذهب بغير صداها فى نفسه الواعية ، ومن أيسر آثارها فى تلك النفس أن تعزز فيها الأمل وتدعم اليقين وتبعثها على التأمل ..

     وخلوة البرية هى إحدى نتائج تلك التحية النبوية ، وهى خلوة التجربة والامتحان والتساؤل والاستيثاق التى عالجها كل بنى قبل أن يصدع بما أمر به .

*           *           *

     ويعتمد الأستاذ العقاد فى وصف هذه التجربة على رواية إنجيل متى .. حيث يقول :
« إنه عليه السلام بعد أن صام فى البرية أربعين نهارًا وأربعين ليلة جاع أخيرا فتقدم إليه المجرب وقال له : إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة تصير خبزا . فأجابه : مكتوب أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله . ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل وقال له : إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من عل ، لأنك موعود أن يوصى ملائكته بك ليحملوك على أيديهم فلا تصطدم رجلك بحجر . قال يسوع : ومكتوب أيضا لا تجرب الرب إلهك . ثم أخذه إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له أعطيك هذه جميعا إن سجدت لى .. قال يسوع : أغرب عنى أيها الشيطان ، فإنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد » .

     قال إنجيل متى بعد ذلك : ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم لهيرود إنصرف إلى الجليل وترك الناصرة وسكن فى كفر ناحوم ، وابتدأ رسالته داعيا إلى التوبة ، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات .                       ( يتبع )

    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *