فى مدينة العـقاد ـــ (186) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الأناجيل

     يتحدث الأستاذ العقاد بالفصل السادس والأخير من الكتاب عن الأناجيل , فيبدى أولاً أن كلمة إنجيل يونانية الأصل , بمعنى البشارة أو الخبر السعيد . ويقفى بأنه قد جرى فى القرن الأول للميلاد تداول عشرات الأناجيل , ثم ارتضى آباء الكنيسة أربع نسخ منها بالاقتراع , هى إنجيل مرقس , وإنجيل متى , وإنجيل لوقا , وإنجيل يوحنا , مع طائفة من أقوال الرسل المدونة فى العهد الجديد .

   ويرجح المؤرخون المختصون أن الأناجيل جميعًا تعتمد على نسخة أرامية مفقودة يشيرون إليها بحرف ك « Q» , مختزل من كلمة « كويل Quelle» بمعنى الأصل , وهم يعللون اتفاق متى ولوقا فى بعض النصوص بأنه لإعتمادهما معًا على تلك النسخة المفقودة .

     أما الأناجيل الموجودة الآن , فقد كتبت جميعًا باليونانية العامة ولوحظ فى ترجمتها أنها تعتمد على نصوص آرامية وتحافظ على ما فيها من الجناس وترادف المعانى والمفردات , وتتفق الآراء على أن الأناجيل لا تحتوى كل ما فاه به السيد المسيح , ويستدلون على
ذلك بعبارة وردت بأعمال الرسل صادرة عن السيد المسيح لم ترد فى الأناجيل , هى قوله : « تذكروا كلمات المسيح . أن العطاء مغبوط أكثر من الأخذ » .. وكشفت أوراق بردية فى مصر ترجع إلى منتصف القرن الثانى الميلادى لا تشبه الأناجيل المعتمدة فى نصوصها ..

   وجدير بالذكر , وليس هذا تعقيبًا على الأستاذ العقاد , أننى تعرضت فى كتابى « الأديان والزمن والناس » ( كتاب الهلال 669 ـ سبتمبر 2006 ) تعرضًا مستفيضًا للروايات التى قيلت فى زمن كتابة كل إنجيل , واللغة الأولى التى كتب بها ابتداء ( ص 332 ـ 344 ) , واعتمدت فى البحث على عدة مصادر ومراجع موثوق بها , منها « دائرة المعارف الكتابية » لمجموعة من كبار رجال وعلماء المسيحية , وموسوعة « تاريخ الأقباط » للباحث القبطى المعروف الدكتور زكى شنودة , و « قاموس الكتاب المقدس » , والروايات المنقولة عن الدكتور « بوست » و « هورن » و « بيكون » وآخرين , ومجمل ما وصلت إليه نقلاً عن هذه المصادر والمراجع , أن إنجيل متى كتب أولا بالعبرية ( أو السريانية ) , ثم ترجم إلى اليونانية لمترجم غير معروف , وأن إنجيل مرقس كتب أصلاً باليونانية , وكذلك إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا , أماّ سنة كتابة كل إنجيل فقد اختلفت فيها الروايات اختلافًا كبيرًا , وأحيل من يريد التوسع على كتاب « الأديان والزمن والناس » ص 332 ـ 344 .

     وأعود إلى الأستاذ العقاد , فقد ذكر أن الآراء تتفق أيضًا على أن اثنين من كتاب الأناجيل هما : مرقس , ولوقا ـ لم يلتقيا بالسيد المسيح , ولم يسمعا منه مباشرة , فقد دون مرقس ما سمعه من بطرس الرسول بغير ترتيب وعلى غير قصد فى التجميع , ودون لوقا ما سمعه من بولس الرسول , ولعله أضاف إليها جزءًا من النسخة المفقودة ثم جزءًا من إنجيل مرقس بعد إطلاعه عليه .

     وعودٌ إلى كتاب « الأديان والزمن والناس » فإن الأقوال فى تاريخ كتابة إنجيل متى تراوحت بين سنوات 37 أو 38 أو 41 أو 43 أو 48 أو 61 أو 62 أو 64 للميلاد , والراجح أنه كتب فى العقد السابع للميلاد . أما إنجيل مرقس فالأغلب أنه كتب ما بين سنة 60 وسنة 63 م , والراجح أن إنجيل لوقا أنهيت كتابته فى بداية العقد السابع للميلاد , بينما يرى بارتلت وبلومر وساندى ورايت ( ص 453 دائرة المعارف الكتابية ) أنه كتب سنة 80 م , واعتمدوا فى ذلك على قرائن استخرجوها من نصوص الإنجيل . أما إنجيل يوحنا فيتفق الباحثون على أنه كتب متأخرًا عن الأناجيل الثلاثة , ويرجحون أنه كتب بين سنة 95 وسنة 98 م .

     وعن إنجيل يوحنا آخر الأناجيل الأربعة كتابة , فيورد الأستاذ العقاد أن أكثر النقاد يجمعون على أن كاتبه هو « يوحنا » تلميذ السيد المسيح , وهذا الرأى لا يتفق ـ فى نظرى ـ مع ما تقاطرت عليه معظم الآراء من أن هذا الإنجيل كتب بين سنة 95 وسنة 98 للميلاد , مما يورى بأن كاتبه لم يلاق السيد المسيح , الأمر الذى يرجح معه رأى الآخرين بأن كاتب هذا الإنجيل « يوحنا » آخر كان فى « أفسس » ولم ير السيد المسيح , ولأن يوحنا تلميذ المسيح هو صاحب سفر الرؤيا المؤلف على أصح الأقوال ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ سنة 76 م .

     ويذكر الأستاذ العقاد أنه خلافًا لهذا كله , يعنّ للأب « فرار فنتون » مترجم الإنجيل
« طبعة أكسفورد »
ـ أن يقرر أن إنجيل يوحنا هو أقدم الأناجيل .وليس آخرها كتابةً كما يقال , وأنه كتبه أولا بالعبرية بين سنة 36 وسنة 40 م ثم نقله إلى اليونانية , بيد أن ما ينفى رأيه أن محتوى هذا الإنجيل ثابت فى تفصيله بعض ما أجملته الأناجيل , مع زيادة فى التعبيرات الفلسفية , والتوسع فى شرح العقائد التى أُثرت عن بولس الرسول , مما لا يتفق مع هذا الرأى القائل بأنه أقدم الأناجيل وأولها كتابة .

     والترتيب المفضل عند المؤرخين أن إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل , ثم يليه إنجيل متى فإنجيل لوقا , وهى الأناجيل الثلاثة التى اشتهرت باسم أناجيل المقابلة , لإمكان المقابلة فيما بينها من الأخبار والوصايا , ثم تلا هذه الأناجيل إنجيل يوحنا .

     على أن هذه الأناجيل الأربعة هى العمدة التى اعتمد عليها من هم أقرب إلى عصر المسيح , ولا يوجد بعد ألفى سنة ما هو أحق منها بالاعتماد .

     ويذكر الأستاذ العقاد أنه عول فى دراسة شخصية السيد المسيح على هذه الأناجيل , حيث لم يجد مراجع أوفى منها لدراسة حياته وأطوار رسالته , منوهًا إلى أنه لم يتعرض للمعجزات التى وردت فيها , لأن تفسير الحوادث منساق بغيرها , فليس فى الأناجيل أن معجزات الميلاد حملت أحدًا على الإيمان بالرسالة المسيحية , وأنه من الحق أن نقول إن معجزة المسيح الكبرى هى هذه المعجزة التاريخية التى بقيت على الزمن ولم تنقض بانقضاء أيامها فى عصر الميلاد : رجل ينشأ فى بيت نجار فى قرية خالية بين شعب مقهور , يفتح بالكلمة دولاً تضيع فى أطوائها دولة الرمان , ولا ينقضى عليه من الزمن فى إنجاز هذه الفتوح ـ ما قضاه الجبابرة لضم إقليم واحد . وهذه معجزة كبرى شاهدة على أن الكلمة حققت به ما تعجز عنه أقوى ما تمتلكه الأجسام !

( يتبع )

    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *