فى مدينة العـقاد ـــ (185) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

إخلاص التلاميـذ

     فضل التلاميذ الأول فى كل دعوة أنهم دعاة ، يصيرون شركاء للمعلم فى نشر الدعوة..

     أما الفضل الأول للتلاميذ فى الدعوة المسيحية ، فهو أنهم مستجيبون ، فلم يكونوا فيما يرى الأستاذ العقاد ـ قادة يدعون غيرهم إلى صفوفهم ، بل كانوا الصف الأول السابق إلى الاستجابة ، ثم تلته صفوف أخرى ..

     كان فضل هؤلاء التلاميذ أنهم أول القابلين ، وكانوا بالنسبة إلى السيد المسيح هم أمته الصغرى ، وكبرت مع الزمن على هذا المثال ، فأصبحوا أمة كبيرة تقتدى فى الاستجابة بتلك الأمة الصغيرة .. كانوا نموذج الأمة المسيحية فى أول الرسالة ، ومضت على المسيحية عدة أجيال وهى لا تخالف هذا النموذج فى التكوين ولا فى الطراز ، ومن هنا كان القول بأن التلاميذ لم يكونوا دعاة فرضوا عقيدتهم على غيرهم ، وإنما كانوا وغيرهم مستجيبون للدعوة رعيلاً وراء رعيل ..

     فى الدعوات قادة ومقودون ..

     ولكن التلاميذ فى الدعوة المسيحية لم يكونوا قادة لغيرهم ، بل كانوا هم السابقين من صفوف تعاقبت وتلاحقت .

     وقد وقع عليهم الاختيار كما جاء فى الأناجيل ، وكان العامل الأكبر فيهم أنهم مختارون من طائفة متعارفة متآلفة ، وأن اجتماعهم هكذا خير وأصلح من اجتماعهم بدءًا من بيئات متباعدة ، فإن المتآلفين أولى بمصاحبة بعضهم بعضًا ..

     لم يكونوا طينة من البشر غير طينة السواد لولا تلك النفحة العلوية التى نفثتها فيهم روح المعلم القدير .

       كان يخاطبهم فلا يخفون عدم فهم ما لا يفهموه ويسألونه مزيدًا من التوضيح فيوضح لهم ، ويخامرهم الشك فلا ينكرونه ، وربما فاتحوه عليه السلام به وسألوه أن يزيدهم إيمانًا ، فيزيدهم ويعلمهم كيف يتقون هذه الشكوك ..

     وقد أنبأهم أنهم سيتخلون عنه ، وقد ناموا وهو يسألهم أن يسهروا معه ، وقد لامهم غير مرة لأنهم يتنافسون على السبق أو لأنهم يستبطئون جزاءهم على الإيمان ، أو لأنهم لا يزالون بعد وعظهم ـ يفرقون الناس ويدينون بشريعة غير شريعة الحب والغفران .

     ليس مطلوبًا من الناس فى العالم الواسع أن يدركوا مقامًا من الإيمان فوق مقام الإخلاص وحسن الاستعداد للتدارك وإصلاح العيوب ..

*           *           *

     ومن العبارات ذات المغزى الكبير فى الإنجيل فيما يستشهد الأستاذ العقاد ـ أن المسيح عليه السلام مضى شوطًا بعيدًا فى دعوته دون أن يقول لهم إنه هو المسيح المنتظر ، فشاع ذكره فى القرى وتساءل الناس عنه : من يكون ؟ وتختلف وتتباين الإجابات ، والمسيح لا يقول إنه المسيح . بل وسألهم بعد شيوع ذكره وتساؤل الناس عنه : وأنتم من تقولون إنى هو ؟ فأجابه بطرس : أنت المسيح . فانتهره عليه السلام وأوصاهم ألا يذكروا ذلك لأحد فى رواية إنجيل مرقس ، أما فى إنجيل متى فقد
روى أن بطرس قال :
« أنت هو المسيح بن الله الحى » ، فأجاب يسوع : طوبى لك
يا سمعان بن يونا . إن مخلوقًا من لحم ودم لم يعلن لك ولكنه أبى الذى فى السماوات . وأنا أقول لك إنك أنت بطرس
( بيتر ) وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى ….

     أما إنجيل لوقا فالرواية فيه أقرب إلى رواية إنجيل مرقس ، والرواية فى إنجيل يوحنا إن السيد المسيح أحس أن الناس يتراجعون عنه « وأن كثيرًا من تلاميذه رجعوا إلى الوراء ولم يمشوا معه ، فقال للإثنى عشر : ألعلكم أنتم تريدون أيضًا أن تذهبوا ؟ ……. »
( إنجيل يوحنا 6 : 66 ـ 71 ) .

      وقد تسمى كثيرون باسم التلاميذ ، فقال لهم كما جاء فى إنجيل يوحنا : « قال يسوع لليهود الذين آمنوا به إنكم إن ثبتم فى كلامى كنتم بالحقيقة تلاميذى ، تعرفون الحق والحق يحرركم . فأجابوه : إننا ذرية إبراهيم ولسنا عبيدًا لأحد ، فكيف تقول إنكم ستصيرون أحرارًا ؟ .. قال : الحق الحق أقول لكم إن كل من يعمل الخطيئة فهو عبد للخطيئة ، والعبد لا يبقى فى البيت أبدًا . إنما يبقى فيه الابن إلى الأبد ، فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا .. أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم ، لكنكم تريدون قتلى لأن كلامى
لا يقع منكم موقعًا ….. » ، وحين قالوا إن أباهم إبراهيم ، قال لهم : « لو كان أباكم لعملتم عمله ، ولكنكم الآن تطلبون دمى وأنا إنسان كلمكم بالحق الذى سمعه من الله » ( إنجيل يوحنا 8 : 30
ـ 40 ) .

   ويخرج الأستاذ العقاد من القصة التى استكمل روايتها نقلاً عن الأناجيل ـ أن العبرة منها أن السيد المسيح مضى فى دعوته زمنًا ولم يذكر لتلاميذه أنه هو المسيح الموعود ، وأنه كان يعلم ممن يطلبون التتلمذ عليه أنهم لا يدركون ما يقول ، ولا يفرقون بين لغة الحس ولغة الروح أو لغة المجاز ، وأنه أشفق يومًا أن ينفض عنه تلاميذه المختارون كما انفض هؤلاء الذين أرادوا أن يحسبوا أنفسهم من التلاميذ ، وزعموا أنهم مثله فأنكر عليهم دعواهم وقال لهم : « إنما بنوة الله بالأعمال ، وإنما أنتم بأعمالكم أبناء إبليس » .

*           *         *

   والشائع أن التلاميذ كانوا طائفة من صيادى السمك فى بحر الجليل ، والواقع أنهم كانوا طائفة تقرأ وتكتب وتتردد على مجامع الوعظ والصلاة ، ولكنهم لم يبلغوا مبلغ الفقهاء فى زمانهم وهذا خير لأنهم لو كانوا كذلك لركبهم الغرور وقابلوا الدعوة بالتحدى والمكابرة .

     ويذكر الأستاذ العقاد أن الدعوة استمالت إليها فى عصر المسيح وبعده ـ طائفة من المثقفين العلماء مثل « نيقوديمس » عضو المجمع الأعلى ، ومثل الطبيب لوقا صاحب بولس الرسول , ومنهم بولس الرسول نفسه وهو أستاذ فى فقه الدين عالم بالتواريخ ..

     وردَّا على دعاوى بعض المعاصرين أن السيد المسيح كان داعيًا إلى الفوضى , يورد الأستاذ العقاد أنه أدخل فى باب التنظيم أنه عليه السلام أختار أولا أثنى عشر تلميذًا ثم أختار من بعدهم سبعين وأوصاهم أن ينطلقوا بالدعوة اثنين اثنين , وأنه عليه السلام كان يحذرهم على الدوام من الفتنة الموبقه التى يتحطم عليها نظام كل جماعة .. وهى فتنة التنافس على الرئاسة فعلمهم أن الأول فيهم هو خادمهم وضرب لهم مثلاً فذًّا فى تاريخ الدعوات ليحفظوا جماعتهم من غواية الرئاسة . وحصر جهده فى تعويدهم « إنكار الذات » وأنه فضيلة الفضائل فى الأعمال العامة .

(يتبع)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *