فى مدينة العـقاد ـــ (184) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

أدوات الدعوة

قدرة المعلم

     تناول الأستاذ العقاد فى هذا الفصل أدوات الدعوة ، وبدأ بقدرة المعلم الذى نهض بها ، كشأن الدعوات الكبرى التى انتشرت على ركازين : الأول احتياج العالم إليها فى أوانها ، والثانى الاستعداد لسماعها . وهذه وتلك يتوقف حصادهما على قدرة الداعى أو المعلم .

     عالم إسرائيل كان يؤمن ـ لولا المعاندة الطارئة ! ـ بالمسيح المنتظر وبوعده فى تلك الحقبة من الزمن ، وكان العالم المعمور يؤمن بإفلاس الوثنية وإقفار النفوس من الرجاء ، والمعاناة من البؤس واليأس .

*           *           *

     كان العالم فى عصر الميلاد محتاجًا للعقيدة مستعدًّا لسماعها ، ولكن ما كان للعالم أن يظفر بالعقيدة عفوًا بغير جهاد وقدرة من رسلها ودعاتها .

     وكانت هذه القدرة موفورة فى معلم المسيحية ، وسمى المعلم بحق ، وبذلك نودى به فى مختلف المجامع والمحافل ، فقد كانت مهمته الكبرى مهمة تعليم وإيحاء روحى عن طريق التعليم ..

     ونودى المسيح بالمعلم فيما روته الأناجيل مرات ، ناداه بهذا اللقب تلاميذه ، وناداه به خصومه وكل من يستمعون إليه من غير هؤلاء وأولاء ..

     وكان نداؤهم له بهذا اللقب تعبيرًا عما وجدوه لديه من علم واسع وبديهة حاضرة ..

     ويرجح بعض المؤرخين فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أنه كان يعرف اليونانية وأن الحديث الذى دار بينه وبين بيلاطس كان بهذه اللغة ، لأن اليونانية كانت شائعة فى عصره بين أبناء الجليل ، وكان كثير من اليهود خارج الجليل لا يفهمون العبرانية ولا الآرامية ويحتاجون إلى ترجمة الكتب المقدسة باللغة اليونانية ، ومنهم من كان يحج إلى البيت المقدس فى الأعياد ، ومن أبناء الجليل اليهود من كانوا يسافرون إلى الإسكندرية وبلاد الإغريق ولا يتفاهمون بغير اليونانية مع أبناء جلدتهم هناك ، فلا غرابة فى معرفة السيد المسيح باليونانية كما كان يعرفها الكثيرون من أبناء الجليل ، ولكن المحقق أنه كان يعرف العبرية الفصحى التى تدرس بها كتب موسى والأنبياء ، وأنه كان يعرف الآرامية التى كان يتكلمها كلام البلغاء فيها ، وأنه إذا عرف اليونانية فإنما كانت معرفته بها معرفة خطاب ولم تكن معرفة دراسة ، لأن أقواله خلت من الإشارة إلى مصدر واحد من مصادر الثقافة المكتوبة بتلك اللغة ، ولأن العبارات التى جاءت فى الأناجيل اليونانية منسوبة إليه تشف عن أصلها الآرامى بما فيها من الجناس أو من قواعد البلاغة وإيقاع الألفاظ .

     على أن اللغة التى حملت بشائر الدعوة الأولى ، كانت لغة صاحبها بغير مشابهة ولا مناظرة فى القوة والنفاذ . كانت لغة فذة فى تركيب كلماتها ومفرداتها ، فذة فى بلاغتها وتصريف معانيها ، فذة فى طابعها الذى لا يشبهه ولا يضارعه طابع آخر فى الكلام المسموع أو المكتوب .

     كانت فى تركيبها نمطًا بين النثر المرسل والشعر المنظوم ، فكانت فنًّا خاصًا ملائما للتعليم والتشويق ولحفز الذاكرة والخيال ..

     وكان أسلوبه فى إيقاع الكلام أسلوبًا يكثر فيه الترديد والتقرير .. كما فى هذا المثال :

     « اسألوا تعطوا

     « اطلبوا تجدوا

     « اقرعوا يفتح لكم

     « لأن من يسأل يأخذ ، ومن يطلب يجد ، ومن يقرع يُفتح له الباب

     « من منكم يسأله ابنه خبزًا فيعطيه حجرًا ؟!

   « أو يسأله سمكة فيعطيه حية ؟!

     « أو يسأله بيضة فيعطيه عقربا ؟!

     « فإذا كنتم ـ وأنتم أشرار ـ تحسنون العطاء للأبناء ، فكيف بالأب الذى فى السماء يعطى الروح القدس لمن يسألون .. »

*           *           *

       لا يتركنا الأستاذ العقاد دون أن يورد نماذج سخية ناطقة بما يريدنا أن نراه ، دلالة على أسلوبه عليه السلام فى تركيب اللفظ وسياق النذير والتذكير ..

     أما أسلوب المعنى ، فقد اشتهر عنه نمط من الأمثال فى كل قالب من قوالب الأمثال ، لا ينى الأستاذ العقاد عن إيراد النماذج الشاهدة على ذلك ، كذلك بالنسبة للمثل الذى يعوّل على الرمز مثل الزارع والبذور .

     ومن نماذجه مثل فتيات العرس ، ومنه قوله : « أنا خبز الحياة ، من يُقبل علىّ لا يجوع » .

     ومن نماذج المثل الذى يعوّل على الحكمة : « لا تطرحوا الدرر أمام الخنازير » ..

« بالكيل الذى تكيلون يكال لكم » .. « أيها المداوى داو نفسك » ..

     ومن نماذج المثل الذى يعوّل على القياس : « إن كنتم تحبون من يحبونكم فأى فضل لكم ؟ .. أليس ذلك شأن العشارين ؟ »

     ومنه فى تبكيت من ينكرون عليه صحبه الخاطئين : « لا حاجة بالأصحاء إلى طبيب ، وإنما المرضى يحتاجون إلى الأطباء » .

     ويستحيل وأنت تتابع الأمثلة التى أوردها الأستاذ العقاد ، أن يغيب عنك كم بذل العقاد من علمه وجهده وإطلاعه وإخلاصه حتى يستخرج هذه الكنوز من الأناجيل ، لتصل إلى القارئ ـ الرسالة التى يريد .  

(يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *