فى مدينة العـقاد ـــ (183) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

ملكوت السماء

     لا يتعجب الفاهم لرسالة ووحدة الأديان ، من أن الأستاذ العقاد اختار استهلالاً لهذا الفصل عن ملكوت السماء فى المسيحية ، آية قرآنية .. تقول الآية : « إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » (القصص 65)

     فهذه الآية الكريمة ، فيما يبدى العقاد ، لها مرجع من تاريخ كل دعوة ، ولاسيما الدعوات الدينية الكبرى .. وما من شىءٍ هو أدعى إلى التدبر الطويل من المقابلة بين مقاصد أصحاب الدعوات وبين الغاية التى تنتهى إليها دعواتهم ..

     ماذا ـ مثلاً ـ لو أن أهل مكة عقلوا فاستجابوا إلى الدعوة المحمدية ، وماذا كان يمكن أن يكون لو لم تتتابع الفصول الناجمة عن هذا الاستكبار والعناد ؟!

     وماذا لو أن بنى إسرائيل لم يشنفوا وينكروا وقبلوا دعوة السيد المسيح وصدقوه وفتحوا له أبواب الهيكل مرحبين مؤمنين .. ربما لو فعلوا لكان غاية الأمر أن يضاف اسم نبى إلى قائمة الأنبياء بين بنى إسرائيل وفى كتاب العهد القديم ..

     المقاومة التى كانت هى التى جسدت رسالة السيد المسيح ، مثلما جسدت بعد ذلك الرسالة المحمدية ..

     لقد كان السيد المسيح يعظ التلاميذ ويقول لهم : ماذا تركتم للأمم ؟ لأنهم أبناء أمة أَوْلَى بها أن تستمع إلى الحق من أبناء الأمم كافة ..

     ومنذ استحكمت النبوة بين السيد المسيح وبين الجامدين المتعصبين ـ قلت وصاياه التى يخص بها الأمة ويفردها بين الأمم ، وكثرت فى وصاياه الآداب الإنسانية التى يستحق بها الإنسان ملكوت السماوات .

     غير أن ملكوت السماوات لا يفهم على صورة واحدة من روايات الأناجيل المتعددة ، بل إنه لا يُذكر بلفظ واحد فى جميع الأناجيل .. فإنجيل مرقص ولوقا يذكرانه باسم ملكوت الله، وإنجيل متى يذكره باسم ملكوت السماوات ، ويتفق أحيانًا أن يذكر فى جميع الأناجيل باسم ملكوت ابن الإنسان .

     كذلك يبدو فى بعض الأقوال أنه حاضر على الأبواب ، وأن من الأحياء السابقين من لا يذوق الموت حتى يرى ابن الإنسان آتيًا إلى ملكوته ( متى 16 : 28 )

     ويبدو من أقوال أخرى أن المدى بعيد وأن الضلال فى دعواه طويل الأمد « لا يضلنكم أحد .. فإن كثيرين سيأتون باسمى فيضل بهم كثير …. وهذه كلها بوادر الأوجاع ، ويسلمونهم يومئذ إلى الضيق فتقتلون فتبغضكم جميع الأمم فى سبيلى …. ولكن الصابرين إلى المنتهى ينجون ، وينادى ببشارة الملكوت هذه فى أنحاء المسكونة شهادة لجميع الأمم » (متى 24 : 4 ـ 14)

     وأحيانًا يأتى الكلام عن الملكوت كأنه قريب ولكنه مفاجئ (مرقس 13) ، ويشار إليه أحيانًا بمعنى مشيئة الله وأوامره وفرائضه ( متى 6 ) ، وأحيانًا يطلق على الرسالة التى يتعلمها التلاميذ من السيد المسيح ( لوقا 19 ) .

     ويشير الأستاذ العقاد إلى أنه قد رأى فى كتب التعليقات والتفسيرات أن هذه الوصفات المتعددة قد تستغرب أو تثير البلبال بين ذوى الآراء ، إلاَّ أنه يجب أن نقدر أولاً أن السيد المسيح قد أشار حتمًا إلى الملكوت الذى يفهم كل سامع أنه هو العالم الآخر ، وأنه يأتى فى نهاية هذا العالم .. وأنه إذا أشار إلى الملكوت رجع السامعون بالبداهة إلى النبوءات التى جعلت لها علامات ، وإلى كلام المفسرين والمترقبين الذين قرنوا تلك العلامات بنهاية الألف الرابعة أو نهاية الألف السادسة ، واختلفوا هل يأتى المسيح المرتقب ثم يعود ، أو ينتهى العالم الأرضى بمجيئه ولا يكون مرجعه بعد ذلك فى هذا العالم الأرضى المعهود .

     وطبيعى جدًا أن يتكلم السيد المسيح عن ملكوت السماوات بهذا المعنى وأن يرجع السامعون إلى هذه النبوءات ، ولا موضع للاستغراب فى ذلك ، بل الغريب أن يخلو كلام السيد المسيح من هذا النذير ..

     والأباطيل قد ذكرت وصفًا متناسقًا للملكوت فى مواضع شتى : ذكرت مملكة ليست من هذا العالم ، وذكرت مملكة قائمة فى ضمير الإنسان فى كل زمان ، إذا ربحها فهو الغانم وإذا خسرها فالعالم كله لا يجديه ، وذكرت مملكة لا يدخلها الإنسان إلاَّ بنفس طاهرة صافية كنفس الطفل البرىء ، وذكرت مملكة لا يفتحها السيف لأن ما بالسيف يؤخذ فبالسيف يضيع ، وجاء بإنجيل لوقا إنه « ولما سأله الفرسيون متى يأتى ملكوت الله ؟ أجابهم بأنه لا يأتى إلاَّ بمراقبة . ولا يقول قائل هو ذا ها هنا وهو ذا هناك ، لأنه هو الآن فى داخلكم »  (لوقا 17 : 20، 21)

*           *           *

     إن الحماسة الروحية التى كانت لازمة لتوحيد العقيدة فى العالم الإنسانى ـ لم تُعهد قط فى غير الأديان الكتابية أو الأديان الإلهية ..

     ولحكمة خالدة وجد هذا الرسول فى تلك الفترة ، ولحكمة من الحكم الخالدة وجدا هذا الرسول مطرودًا فى قومه ، ومن ثم لم تقتصر دعوته عليهم ، فوجد العالم كله بغيته فيها .. وإن هذه لآية لو تدبر فيها الباحثون .. أن إعنات بنى إسرائيل وموقفهم من السيد المسيح هو الذى فتح العالم كله لدعوته عليه السلام .

     وإنها لعبرة ، أن انتصر « الجليلى » بملكوته السماوى على ممالك القياصر ، وضم القياصر إلى حاشيته ، فمنه يأخذون ما أخذوه باسم قيصر وما أخذوه باسم الله !

(يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *