فى مدينة العـقاد ـــ (181) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

شريعة الحب

     لم يصعب على السيد المسيح أن يحطم « الشرك السياسى » الذى نصبوه ليسمعوا منه إشارة بإعطاء الجزية أو بعصيان الدولة , ولم يصعب عليه أن يسكت الصدوقيين والفريسيين معًا .. يأتيهم جوابه المفحم عن تساؤلهم بمن تبنى زوجة المتوفى إذا لم يتزوجها أخو زوجها كما تقول شريعة موسى , فيقول لهم عليه السلام « لأن الأحياء فى العالم الآخر لا يتزاوجون زواج هذا العالم , ولا يتناسلون ! »

     إن الجمود والرياء كلاهما موكل بالظواهر .. ومن الجامدين من يفخر بعلمه بالنصوص والشرائع , ويقيس علمه بمبلغ قدرته على اختلاق العقد والعقبات .. ويحدث ذلك لكل شريعة على أيدى الجامدين والحرفيين ..

   لا حساب عند هؤلاء للنفس البشرية , وإنما الحساب كله للحرف والنص المكتوب , بينما النفس البشرية هى الفريسة التى يتكفل العقاب باقتناصها وإغلاق المنافذ عليها .

*           *             *

     إذا صار أمر الفضائل إلى الظواهر والأشكال ـ تساوى فيها الصدق والرياء ..

     إن الجمود والرياء كلاهما موكل بالظواهر ..

     وعالم الظواهر غير عالم الضمير ..

     قالوا إنه عليه السلام عمل فى يوم السبت , وسخر من المحرمات , وتستطيع إن شئت أن تقول إنه نقض كل شىء , وتستطيع أيضا إن شئت أن تقول إنه لم ينقص منها ذرة !

     ذلك أنه عليه السلام لم ينقض إلاَّ شريعة الأشكال والظواهر , وجاء بشريعة الحب أو شريعة الضمير ..

     وشريعة الحب لا تبقى حرفًا من شريعة الأشكال والظواهر .. ولكنها لا تنقض حرفًا واحدًا من شريعة الناموس بل تزيد عليه ..

     إن الناموس عهد على الإنسان بقضاء الواجب

     أما الحب فيزيد على الواجب , ولا ينتظر الأمر ولا ينتظر الجزاء ..

     الحب لا يُحَاسب بالحروف والشروط , ولا يُعَامل بالصكوك والشهود , ولكنه يفعل ما يُطْلب منه ويزيد عليه ..

     وبهذه الشريعة ـ شريعة الحب ـ رفع المسيح للناموس صرحًا يطاول السماء .

   فى شريعة الكبرياء والرياء , يُلْزم من يتخذ الدين سبيلا للغو والتعالى على الآخرين , فيقول عليه السلام للمتعالى المزهو بنفسه : « لماذا تنظر إلى القذى فى عين أخيك ولا تنظر إلى الخشبة التى فى عينك ؟ ! » .

   يلزم فى شريعة الفرح بالعقاب والسعى وراء العورات ـ من يسوق المرأة الخاطئة شامتًا فى المواكب ويخف إلى مواقف الرجم ..

     بينما يلزم فى شريعة الحب من يبهت ذلك الجمع المنافق ويكشف له رياءه ويرده إلى الحياء .. مثلما ارتد إلى الحياء من سمعوا عبارة « من لم يخطئ منكم فليرمها بحجر ! » .

     يلزم فى شريعة الرياء والكبرياء أن يفخر المعطى بما يعطيه ويستطيل على الفقراء !

     ويلزم فى شريعة الحب أن تستتر أعمال المحسنين بغير تظاهر ولا استعراض , فلا تعلم الشمال ما تفعله اليمين أو تعطيه ..

*           *             *

     مجمل القول أن الخير كله كان فى شريعة الظواهر والأشكال , أو شريعة الكبرياء والرياء ـ كان مسألة « امتياز رسمى » يحتكره البعض بفضل العنصر والسلالة .

     فلما قامت الدعوة المسيحية بشريعة الحب والضمير , كانت كلمتها هى الكلمة التى تقال فى كل دعوة أو استئثار أو احتكار ..

     ليس الخير حكرًا للنسب والسلالة « بل الذى يعمل مشيئة الله هو أخى وأختى وأمى » .. « إن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب على أرائك الملكوت , و أما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة بالعراء » .

*           *         *

     إن الرحمة عمل , لا نسبة ولا حرفة ..

   والدين بما تعمل لا بما تعلم ..

     وعندما تعالوا عليه بالأسئلة عن أسرار الكتب وألغاز الفرائض والوصايا , وسألوه أيهما أعظم فى الناموس ؟ لم يزد على أن قال لهم فى كلمات معدودات : « أن تحب ربك بجماع قلبك ومن كل نفسك وفكرك , وأن تحب قريبك كما تحب نفسك » .

     على ذلك , وغيره , يعلق الأستاذ العقاد فيقول « هذا كل ما يلزم العابد الصالح أن يحتقبه من القماطر والأوراق , ولا تكون العقبى أنه يهدر الفرائض والأحكام وأنه يستبيح مالا يباح , بل لعله يتشدد حيث يترخص النصوصيون والحرفيون , كما يتشدد الإنسان حين يحاسب ضميره ويصنع فى سبيل الحب مالا يصنعه فى سبيل الواجب , وكل ما هناك أن تصبح الفضيلة وحى النفس وحساب ضمير , ولا يصبح قصاراها وحى القانون وحساب الصكوك والشروط , وأساليب الروغان من بين السطور والحروف .

     « لا جرم كانت شريعة الحب والضمير أشد وأحرج من شريعة الظواهر والأشكال , لأن الضمير موكل بالنيات والخواطر قبل الأفعال والوقائع , ولأنه يحاسب صاحبه على همساته ووساوسه ولا يتركه حتى يعمل ما يضر أو يسوء ..

     « قيل للقدماء لا تقتل ومن يقتل وجب عليه العقاب . أما أنا فأقول لكم إن من يغضب على أخيه باطلاً يأثم ويجزى .. فإن قدمت قربانك وذكرت حقا لأخيك عليك , فدع قربانك أمام الذبح واذهب فصالح أخاك .. »

( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *