فى مدينة العـقاد ـــ (180) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تجارب الدعوة

     عرض الأستاذ العقاد لتجارب الدعوة ، فقال إنها استوفت تجربتها فى فترة قصيرة لم تطل أكثر من ثلاث سنوات ، ولكنها كانت كافية ، لأنها كانت فى الواقع تجربتين ودعوتين ، قام بهما رسولان مختلفان فى الطبيعة والطريقة : يوحنا المعمدان أو يوحنا المغتسل ، وكان مثال الناسك الصارم الذى لا يحابى ولا يتردد ، ينذر كثيرًا ويبشر قليلاً ، ويضع الفأس على أصل الشجرة ، ولا يبالى أن يلقى بها حطبًا فى الأتون . هذا الرسول الذى ولد لشيخين كبيرين بعد يأس : زكريا وأليصابات ، وكلاهما من أبناء هارون .

     نشأ يحيى أو ويوحنا ، منذورًا للبتولة ، وذكر القرآن الكريم قصته وزكريا فى سورة آل عمران وسورة مريم ، ووصفه القرآن بالحصور ، ولم يكن يتقى حرجًا فى كلامه عن الخطيئة والدنس ، فراح ينحى بصوته القوى الصريح على الملك هيرود لأنه تزوج من هيرودية أخته وزوجها لا يزال بقيد الحياة ، فلما اعتقله الملك لم يسكت ، وأمره بتطليقها فرارًا من غضب الله ، ثم كان ما كان أن قُدمت رأسه هديةً إلى « سلامة » أو « سالومى » فى سهرة من سهرات اللهو التى اعتاد هيرودوت أن يقيمها فى قصره .

     ولم تذهب هذه الدعوة الصارمة سدًى ، فبقى اسم صاحبها يوحنا أو يحيى ـ مقدسًا محبوبًا يخاف الأدعياء أن يجترئوا عليه .

    *           *           *

     أما السيد المسيح عليه السلام : عيسى بن مريم ، فله طبيعة أخرى غير طبيعة يحيى بن زكريا ، فلم يكن المسيح متأبدًا ولا نافرًا من الناس ، بل كان يمشى مع الصالحين والخاطئين ، ويعظ هؤلاء وأولاء ، وكان يشهد الولائم والأعراس ، ولم يكن يكره التحية الكريمة التى تصدر من القلب ولو كان فيها نفقة وكلفة ، ووبخ تلاميذه مرة لأنهم تقشفوا وتزمتوا فاستكثروا أن تريق إحدى النساء على رأسه قارورة طيب ، وقال لهم حين أخذوا عليها السرف : « ما بالكم تزعجون المرأة ؟ إنها أحسنت بى عملاً ، وإن الفقراء معكم اليوم وغدًا ، ولست معكم فى كل حين » .

     هذه السماحة قد اصطدمت بعماية الشهوات وعناد الغرور ، كما اصطدمت بهما صرامة يحيى الحصور أو يوحنا المغتسل أو المعمدان . وقد أحصى السيد المسيح على عصره هذه الصدمة وتلك الصدمة فقال : « إن يوحنا جاءهم لا يأكل ولا يشرب فقالوا به مس شيطان ، ثم جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فقالوا إنه إنسان أكول شريب محب للعشارين والخطاة » !

     هى إذن رسالة قد استوفت تجربتها بل تجربتيها ، وخرجت من التجربتين معا ـ إنسانية عالمية تنادى من يستمع إليها ، وتعرض عمن أعرض : دعوة الغيرة الصارمة الأبية ، ودعوة الغيرة السمحة المرضية .

الشريعة

     يذكر الأستاذ العقاد أن كل مراجعة تاريخية لذلك العصر ، تنتهى من جانب البحث السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى أو الدينى أو الثقافى ـ إلى نتيجة واحدة ، وهى أن ضحايا البذخ والرياء قد بلغوا من كثرة العدد وسوء الأثر حدًّا يفوق احتمال عصرٍ واحد .

     وفى عصر كذلك العصر تلزم الرسالة .

     ولكنها رسالة لا تلزم لتأتى العالم بمزيد من الشريعة ولا بمزيد من تطبيقها ، فقد يأتى الضرر إذا جرى التطبيق على سنة الرياء وغلبة النفاق على الصدق والإنصاف .

     إن الآداب الإنسانية هى الحاجة العظمى حين ينخر السوس باطن العرف والشريعة .

     إنها رسالة قلب كبير يشعر فيجذب إليه كل شعور ، ولا سيما شعور الضحايا والمظلومين .

     فى أحضان الدعوة بشارات بالخلاص والنجاة ..

     « طوبى للحزانى . طوبى للمساكين . طوبى للجياع والظماء . طوبى للمطرودين فى سبيل البر . طوبى للودعاء والرحماء ..

     « تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والمثقلين .. احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى .. فتجدوا راحة لنفوسكم . لأن نيرى هين وحملى خفيف .. »

     *           *           *

     كانت المرأة هى ضحية الضحايا فى ذلك العصر ، فإذا حنان طهور يغمر ضعفها ويجبر كسرها ويمسح اليأس من قرارة وجدانها ، ويشيع الأمل فى رحمة الله بين جوانحها ، فيعلمها من دروس الحب القدسى ما لم تتعلمه من دروس العقاب فى شريعة المنافقين وموازين المقسطين .

     صورة الغفران ماثلة فى شخص الرسول الكريم ، وصورة التوبة ماثلة فى شخص فتاة منبوذة جاثية على قدميه .. تسكب عليهما الدمع والطيب وتمسحهما بغدائر رأسها ..

     منذ الخطوة الأولى التى خطاها السيد المسيح فى التبشير برسالته ـ أخذ على نفسه أن يعتزل « السلطة » ويتنحى لها عن ميدانها ..

     إنه نشأ فى دنيا تشكو الكظة من الشرائع والأوامر والنواهى والحكام والمتحكمين ..

     لا حاجة إلى مزيد من الأحكام مع فساد الحكام ..

     إلاَّ أن السلطة التى تنحى عن طريقها ، لم تترك له ميدانه ، وسرعان ما أحست هذه السلطة ـ سلطة الدين على الأخص ـ بالخطر حينما لمست إقبال الجموع على الداعية المحبوب ..

     كان تبشيره بالغفران والتوبة ـ أكبر ذنوبه فى نظر هؤلاء الأساطين ، لأن الخطايا والعقوبات بضاعة السلطان !

     جاءوا يسوقونه إلى حيث أبى أن يُسَاق ، وكان همهم الأكبر أن يثبتوا عليه أنه يبطل الشريعة ، فأعنتوا عقولهم فى البحث عن المشكلات والألغاز التى يُفتى فيها بما يخالف الشريعة الدينية والقوانين السياسية ليأخذوها حجةً عليه .

     يقول عليه السلام لمن جاءه يطلب إليه أن يأمر أخاه أن يقاسمه الميراث : « أيها الإنسان ، من أقامنى عليكما قاضيًا أو حسيبًا ؟ . »

     يتصايح الكتبة والفريسيون : « أيها المعلم : هذه امرأة أُخذت وهى تزنى ، وقد أوصانا موسى أن نرجم الزانية ، فماذا تقول أنت ؟ »

     سبق إلى ظنونهم كل جواب ، إلاَّ أن يقول لهم ما قال : « من كان منكم بلا خطيئة فليتقدم وليرمها بحجر » .

     وقفت المرأة المسكينة وقد انفض الجمع ، فيسألها سؤال العارف : «أين المشتكون منك ؟ أما دانك أحد ؟ » . قالت : لا أحد أيها السيد ، فأرسلها عليه السلام وهو يقول :
«
ولا أنا أدينك .. فاذهبى ولا تخطئى » . 

(يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *