فى مدينة العـقاد ـــ (179) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الدعوة

     تثبت المسيحية ، كما تثبت تواريخ الأديان جميعًا ، الحقيقة الواضحة ، ألا وهى اطراد السنن الكونية فى الحوادث الإنسانية الكبرى .

     ومن يتأمل الدعوة المسيحية ، وأحوال العصر فيما قبلها ، يرى أنها جاءت فى أوانها وفقًا لمطالب زمانها .

     أبرز آفات العصر قبل المسيحية آفتان : إحداهما تحجر الأشكال والأوضاع فى الدين والاجتماع ، والأخرى سوء العلاقة بين الأمم والطوائف مع اضطرارها إلى المعيشة المشتركة فى بقعة واحدة .

     تحجرت الأشكال والأوضاع وغلبت المظاهر على كل شىء ، وتهافت الناس على حياة القشور دون اللباب ، فصار كل المعنى لديهم الزينة والأبهة والمحافل والشارات . وتجمعت الثروة والكسل فى ناحية ، والفاقة والشقاء فى ناحية أخرى , وتحجر نظام المجتمع ، فصار أشكالاً ومراسم خاليةً من المعنى والغاية ، وتحجرت معه الشرائع والقوانين .

     وتحجرت العقائد الوثنية فى الدولة الرومانية ، وتحجرت العقائد الكتابية بين بنى إسرائيل ، وصارت الحروب تشب على أتفه الفروق والأسباب . وساءت مع ذلك العلاقات بين الأمم والطوائف .

المسيحية

     أتت المسيحية بعقيدة خلاصتها بساطة الضمير ، ولا تبالى بالمظاهر ، وتضيق بالخلاف على الفروق المصطنعة .

     جاءت المسيحية بعقيدة قوامها أن الإنسان خاسر إذا ملك العالم بأسره وفقد نفسه ، وأن ملكوت السماء فى الضمير وليس فى القصور والعروش .. وأن المرء بما يضمره ويفكر فيه ، لا فيما يأكله ويرتديه ويقيمه من معابد أو صروح .

     جاءت الدعوة المسيحية بالرجاء الذى يصلح البلاء الذى يعانى منه العصر ، وببشارة لا تبالى أن يخرب ظاهر الدنيا كله إذا سلم للإنسان باطن الضمير .

مقاومة الدعوة

     لقيت هذه الدعوة أشد ما يلقاه دين من صد ومقاومة ، وقد قام السيد المسيح بدعوة للإخاء والسلام وهو يعلم أنها لدى هؤلاء العتاة أخطر الدعوات ، وأخطر فى نظرهم حتى من دعوة البغضاء والقساوة .. لأن الدعوة إلى السلام تحطم سلاح الأقوياء والمستبدين .

     ولم يفهم البعض مدلول عبارة السيد المسيح التى تقول : « جئت لألقى على الأرض نارًا فحبذا لو تضطرم » .. مشيرًا بذلك إلى تربص العتاة بدعوته واصطدامهم بها وما سوف يحدثه من انقسام داخل البيت الواحد .. بين الأب وابنه ، والأم وبنتها ، وانقسام الحماة على الكنَّة ( امرأة الابن أو الأخ ) والكنَّة على الحماة .

       وقد صحت نبوءة المسيح عليه السلام فى بنى قومه ، فناصبوه العداء لأنه يبسط الدعوة إلى الإخاء ويعم بها « طيور السماء » ..

     ومن الواضح أنه كان يؤثر قومه بالخير لو استمعوا إليه واتبعوه ، ولكنهم مدعوون إلى وليمة يرفضونها ، فمن حضرها بغير دعوة أولى بها منهم . كذلك ضرب لهم المثل بوليمة العرس التى أرسل الداعى فى طلب ضيوفه ، ولكنهم أبوا عليه ، فيشير السيد بدعوة غيرهم من أعطاف الطريق وزواياه ، فلن يذوق عشاءه من دعاهم فلم يلبوا الدعوة .

     ومن يتأمل هذه الدعوة العامة ، يجد فيها معانى كثيرة لا تحصى وفقًا للنظرة التى ينظر بها إليها . ومن جوهرها أنها افتتحت قبلتين أو وجهتين لا سبيل للجميع بينهما ، فمن المحال أن يخدم أحدٌ سيدين … قبلة الروح أو قبلة الجسد ، قبلة الله أو إله المال ، معبد الضمير أو معبد الصخر والخشب .

اختيار القبلة

     هو إذن مفترق الطريق , فلا قبل لأحد بأن يخدم سيدين , أو يدين بالخدمة والإخلاص لهما معًا .. ومن ثم ليس أمام المقبل إلاَّ أن يوازن بين محراب « مامون » بقلبه وقالبه , وبين الواجهة الأخرى المقابلة على الطرف الآخر لهذا المحراب .

     عُبَّاد « مامون » غارقون فى هموم الحطام , لا يفرغون لحظة لغير الشهوة والطعام , فالذى يستدبر هذه القبلة فلتكن قبلته حيث لا ظل لذلك المحراب ولا أنقاض لأركانه وأوثانه .. وحيث المطلوب كله هَمّ الروح والضمير , وحيث المنبوذ كله هَمّ المادة والجثمان .

     أو كما قال لهم عليه السلام : « الحياة أفضل من الطعام , والجسد أفضل من اللباس .. وزنابق الحقل تنمو ولا تتعب ولا تغزل , وسليمان فى كل مجده لا يلبس كما تلبس واحدة منها , فإذا كان العشب الذى يقوم اليوم فى الحقل ويطرح غدا فى التنور يلبسه الله هكذا فما احراكم أن يلبسكم يا قليلى الإيمان .. » .

     « نعم .. وإذا تهالكت أمم العالم على الطعام والشراب وقلق العيش ، فاطلبوا أنتم ما هو أفضل وأبقى .. اطلبوا كنوزًا لا تنفد فى سماواتها حيث لا تنالها يد السارق ولا يبليها السوس » .

   « من استدبر قبلة « مامون » فهذه هى القبلة التى يتجه إليها , وهذه هى غايتها القصوى , وإن لم تكن هى كل خطوة فى الطريق » .

     وعلى هذا الوجه يفهم السامع رسول الرحمة ، حيث يقول :

     « ما هو بقادر أن يكون لى تلميذًا من لا يقدر على أن يبغض أباه وامرأته وبنيه وأخواته , بل يبغض نفسه .

   « وما هو بقادر أن يكون لى تلميذا من لا يقدر على أن يحمل صليبه ويتبعنى فى طريقى » .

     إن قائل هذا هو القائل :

     « أيها السامعون : أحبوا أعداءكم , أحسنوا إلى مبغضيكم , باركوا لاعنيكم , أدعوا لمن يسيئون إليكم , من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر , ومن أخذ رداءك فامنحه ثوبك , وكل من سألك فاعطه , ومن أخذ ما فى يدك فلا تطالبه , وما تريدون أن يصنعه الناس لكم فاصنعوه لهم أنتم , وأى فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم ؟ إن الخطاة ليحبون من يحبهم .. وأى فضل لكم إن أقرضتم من يردون قرضكم ؟ إن الخطاة ليقرضون من يقرضهم , بل تحبون أعداءكم وتحسنون وأنتم لا ترجون أجركم .. »

     وقائل هذه هو القائل :

     « إن أخطا أخوك فوبخه , وإن تاب فاغفر له , وإن أخطأ إليك سبع مرات وتاب إليك سبع مرات فتقبل منه توبته » ..    

     هذه الرحمة التى تعم الأعداء والأحباب ، تبدو فى الظاهر نقيض البغضاء التى تشمل بها أحب الناس إلى الناس : الآباء والأمهات والأبناء وذوى الرحم والقربى .

     قد يبدو فى ذلك تناقض ـ إلاَّ على وجه واحد , وهو توجيه النظر إلى قبلة غير القبلة ووجهة غير الوجهة التى اعتادها الناس , وإلى غاية قصوى غير تلك الغاية القصوى التى درجوا عليها ..

     وحين يفترق الطريق ، يجب عليك أن تختار إلى أى اتجاه تمضى ، ولا جناح عليك أن تمضى حيث سددت خطاك .. حتى ولو كرهت نفسك ، وحملت صليبك وانقطعت عن ذويك !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *