فى مدينة العـقاد ـــ (178) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

صورة وصفية

       استهل الأستاذ العقاد هذا الفصل بإيراد الصورة الوصفية للسيد المسيح عليه السلام , التى تداولها المسيحيون فى القرن الرابع الميلادى , وزعم رواتها أنها كتبت بقلم « بيليوس لنتيولس » صديق « بيلاطس » حاكم الجليل من قبل الدولة الرومانية , كان قد رفعها إلى مجلس الشيوخ الرومانى فى عصر الميلاد , وجاء فيها « إنه فى هذا الزمن ظهر رجل له قوى خارقة يسمى يسوع ويدعوه تلاميذه بابن الله وكان للرجل سمت نبيل وقوام بين الاعتدال , يفيض وجهه بالحنان والهيبة معًا , فيحبه من يراه ويخشاه .. شعره كلون الخمر منسرح غير مصقول , ولكنه فى جانب الأذن أجعد لماع , وجبينه صلت ناعم , وليس فى وجهه شية , غير أنه مشرب بنضرة متوردة , وسيماه كلها صدق ورحمة , وليس فى فمه ولا أنفه ما يعاب , وعيناه زرقاوان تلمعان .. مخيف إذا لام أو أنب , وديع محبب إذا دعا وعلم , لم يره أحد يضحك , ورآه الكثيرون يبكى , وهو طويل له يدان جميلتان مستقيمتان , وكلامه متزن رصين لا يميل إلى الإطناب , وملاحته فى مرآه تفوق المعهود فى أكثر
الرجال » .

     ويرى الأستاذ العقاد أن هذه الرواية مشكوك فيها وفى إسنادها ومثلها جميع الروايات التى تداولها الناس فى ذلك العصر أو بعده , ومنها ما لا يعقل بل ومظنون أنه مدسوس من أعداء المسيحية فى تلك العصور الأولى , كقول بعضهم إنه كان قميئا أحدب دميم الصورة , وهو ما يتناقض مع الشريعة الموسوية التى كانت تشترط سلامة الخَلْق وسلامة الجسم من العيوب , ولا ترسم لخدمة الدين من يعيبه نقض أو تشويه .

*         *         *

     هذا ومن المعلوم أنه لا يوجد فى الأناجيل إشارة إلى سمات السيد المسيح تصريحًا أو تلميحًا , ولكن يؤخذ من كلام « نثنائيل » حين رآه لأول مرة أنه « رائع المنظر ملكى الشارة » , إذْ قال له : « أنت ابن الله . أنت ملك إسرائيل » . وهى تحية لأفعال للقمئ الدميم الأحدب !

     والذى لا شك فيها أنه عليه السلام كان فصيح اللسان سريع الخاطر , .. يجمع إلى جوار قوة العارضة سرعة البديهة وسرعة الاستشهاد بالحجج الكتابية التى يستند إليها فيما يعرض له من حديث الساعة , فضلاً عن قدرته الظاهرة على وزن العبارة المرتجلة , وصياغة وصاياه .

     وينوه الأستاذ العقاد إلى أنه ذوق الجمال كان باديًا فى شعوره كما هو بادٍ فى تعبيره وتفكيره , والتفاته الدائم إلى الأزهار والكروم والحدائق التى يكثر من التشبيه بها .

     وقد اتفقت روايات الأناجيل على أنه كان عظيم الأثر فى نفوس النساء , يتبعنه حيث سار ويصغين إليه فى محبة ووقار , وهى عظمة بادية فيما يشيعه من سكينة ويبسطه من طمأنينة مفعمة بحنان الطهر والقداسة والبعد عن وساوس الضعف والفتنة .

     ولهذا لا غرابة أن يقال إن قرينة « بيلاطس » كانت تحذر قرينها من أن يمس ذلك الإنسان الصالح , وأن تغلب فيمن تبعوه محبة التقوى على محبة الدنيا .

     وقد وصف عليه السلام نفسه بأنه « وديع متواضع القلب » , وقال إن الوداعة مفتاح السماء فلا يدخلها إلاَّ الودعاء .

     ولم يخلّ بذلك أن هذا الرسول الوديع الرحيم كان يعرف الغضب حين تضيع الوداعة والرحمة , وتعلو فى رسالته ـ أواصر الروح على أواصر اللحم والدم , وتتقدم حقوق الهداية لديه على حقوق الآباء والأمهات فيقول : « من هى أمى ومن هم أخوتى ؟ .. من يصنع مشيئة أبى الذى فى السماوات هو أخى وأختى وأمى » .

     وهذه وأشباهها من الشروط الصارمة التى كان عليه السلام يفرضها على مريديه ـ هى الشروط التى لا غنى عنها لكل دعوة مستبسلة أمام السيطرة والجبروت .

     وكان عليه السلام يأمرهم أن يقدموا على المخاطر فى سبيل الحق والهداية , ولكن كان يقيم لهم حدود المخاطرة حيث يجب الإقدام على الموت وجوبًا لا مثنوية فيه .. فالخطر على الروح أولى بالاتقاء من الخطر على الجسد , ويهون موت الجسد إذا كان موت الروح فى الحسبان .. فإن لم يكن خطر على الجسد ولا على الروح فلا خير فى المخاطرة … « كونوا بسطاء كالحمائم وحكماء كالحيات » .

*           *           *

     وفى انجيل مرقس أن السيد المسيح نجا بنفسه إلى جانب البحر حين علم أن الفريسيين والهيروديين يأتمرون به لإهلاكه , وفى سائر الأناجيل أنه كان يشكو حزنه وبثه حين أحدق به الخطر , وأنه كان يدعو الله أن يجنبه الكأس التى هو وشيك أن يتجرعها , وأنه كان يقول لتلاميذه : « نفسى جد حزينة … أمكثوا ها هنا واسهروا معى » . وأنه كان يعتب عليهم حين يراهم نيامًا على مقربة منه وهو يعانى برحاءه وأشجانه ويقول لهم : ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة ؟ .. ثم قال لهم آخر الأمر وقد حَمَّ القضاء : الآن ناموا واستريحوا ! ..

     ويعلق الأستاذ العقاد على ذلك بأن الإقدام على الجهاد أن تتجرد النفس من طبيعتها فى وجه المخاوف والمتالف , ولكنه غير محظور على النفس أن تأخذ بالحيطة فى هذا الجهاد أو أن تلوذ بمن تحب , وتستمد عواطف المحبين .

     ومن تحصيل الحاصل القول بأن السيد المسيح خلق على فطرة أمثاله من أصحاب الرسالات الكبرى الذين لم ينقطعوا لحظة عن الرياضة الروحية .

     ولا ريب أن هذه الرياضة هى التى عناها كُتَّاب الأناجيل « بفترة التجربة فى البرية » حيث تعيش الشياطين , وما للشياطين هنا غير وساوس القلق وصراع الفتنة والغواية والطمع بين الإقدام والإحجام .

     وقد تغلب المسيح على هذه المحنة كما تغلب عليها الأنبياء المرسلون بعد قلق وجهاد وصبر أليم , وكان يستلهم الحوادث إرادة الغيب حين تحتجب عنه الإرادة .

     كانت هذه الخطوات فيما يقول العقاد ـ من خطوات التسليم الذى ينطوى فيه حب الاستلهام والاستطلاع , خيرًا من طلب البرهان وخيرًا من النكوص ما لم يكن هناك برهان . ولعل لحظة من لحظات هذا الغوص هى التى قال فيها الناظرون إليه إنه غائب عن نفسه , أو هى التى صمت فيها لا يحير جوابًا لأنه يترقب جواب الغيب غير المنظور مما عساه أن يكون عما قريب , لا يبالى بسلامته وعاقبة أمره . فهل تراه لا يقدم على العواقب إلاَّ بضمان من البرهان ؟               ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *