فى مدينة العـقاد ـــ (177) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تاريخ الميلاد

أرض الجليل

     ولد السيد المسيح بأرض الجليل ـ أو جليل الأمم ـ كما يسميها الإسرائيليون .

     ومعنى الجليل « الدائرة » بالعبرية .

     وكانت الجليل جزءًا من أقاليم الشاطئ الشمالية التى عرفت باسم « كنعان » فى التاريخ القديم ، ثم أطلق عليها اسم « فينيقية » من اللون الأحمر على ما يظهر ، وهو لون الصخور والجبال .

     وقد امتازت كنعان قديما بالموانئ الصالحة ، وبوقوعها على طريق التجارة من البحر الأبيض إلى خليج فارس ، وقد دخل بعض بلاد الجليل ـ أو كنعان ـ فى مملكة داود بعد إنشائها ، ولكن العلاقة بين الجليل ويهودا ظلت على الدوام علاقة حذر وجفاء إن لم تكن حربًا وجفاءً .. وقد أخذ اليهود عن الكنعانيين معالم حضارتهم ، وتكرر فى العهد القديم أكثر من مرة ذكر الاستعانة بالصناع والخبراء من أهل كنعان . كالإصحاح السابع فى سفر الملوك الأول ، والإصحاح السابع والعشرين من سفر حزقيال .

*           *           *

     ولما تكاثر عدد اليهود المقيمين بالأجزاء الشمالية من فلسطين كالجليل والسامرة ، تغيرت عاداتهم ومأثوراتهم ، ونظر إليهم أبناء « يهودا » نظرتهم إلى الخوارج . والواقع أن أهل الجليل خاصة اعتادوا الكلام بالآرامية ، وهى لغة سوريا الداخلية ، أو اليونانية ، وهى لغة القادمين من البحر أو من آسيا الصغرى .

     وبلغ من بغض أهل « يهودا » لأبناء ملتهم فى الشمال ، أن « حناهير كانوس » المكابى أغار على الأقاليم الشمالية فى كل من السامرة وبلاد الجليل .

     ومما اتفقت عليه أقوال المؤرخين وتردد كثيرًا ـ فيما يورد العقاد ـ أن جمهرة كبيرة من أهل الجليل كانوا عربًا يتكلمون الآرامية ويتميز نطقهم للعبرية بلهجة أجنبية يلحظها أهل الجنوب ويميزون المتكلم بها من كلمات قليلة . وكان من الأمثال السائرة على ألسنة اليهود المتعصبين : « أنه لا خير يأتى من الجليل » ( الإصحاح الأول والإصحاح السابع انجيل يوحنا ) .

     وقد اتفق بعد مولد المسيح ببضع سنوات ، أن الجليل خرجت ـ فيما يقول العقاد ـ من سلطان ملك « يهودا » ، ودخلت هى والبادية المجاورة فى نصيب « انتيباس » ابن هيرود . وربما كان المسيح عليه السلام فى العاشرة من عمره حينما هدم الرومان عاصمة الأمير الجديد ، وبنيت العاصمة الجديدة طبرية على مقربة من « الناصرة » حيث نشأ عليه السلام .

متى ولد المسيح

     يفهم من رقم التقويم الميلادى أن السيد المسيح ولد فى السنة الأولى للميلاد ، وعلى هذا الحساب يجرى العمل بين الأمم الأوروبية منذ سنة 532 للميلاد ، وهى السنة التى دعا فيها الراهب « دينوسيس الصغير Exigus » إلى تاريخ الأيام من السنة الأولى للميلاد وصحح الحساب على تقديره .

     إلاَّ أنه لم يسلم من الخطأ فى حساب بضع سنوات ، ثم تعذر إصلاح هذا الخطأ عند ثبوته ، فتقرر استدراكه بإضافة أربع سنوات إلى التقويم القديم الذى يحسبه أصحابه منذ بدء الخليقة ، واعتبروا أن السيد المسيح ولد فى سنة أربعة آلاف وأربع (4004) بحساب ذلك التقويم .

     أما القول الراجح فى تقدير المؤرخين ـ فهو أن ميلاد السيد المسيح متقدم على السنة الأولى ببضع سنوات ، وأنه على أصح التقديرات لم يولد فى السنة الأولى للتقويم الميلادى .

     ففى إنجيل متى أنه عليه السلام قد ولد قبل موت « هيرود » الكبير قبل السنة الأولى للتقويم الميلادى بأربع سنوات ..

     وفى إنجيل لوقا أنه عليه السلام قام بالدعوة فى السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيبريوس وهو يومئذ يناهز الثلاثين ، وقياسًا على تاريخ حكم طيبريوس فإن السيد المسيح يكون قد بلغ الثلاثين نحو سنة 779 رومانية ، وأنه ولد سنة 749 رومانية ، أى قبل السنة الأولى للتقويم الميلادى بأربع سنوات .

     ووفقا لتقويم الفلكى الكبير « كبلر Kepler » ـ أن السيد المسيح ولد نحو السنة الخامسة أو السادسة قبل التقويم الميلادى .

     على أن الدراسات الأخيرة فى علم مقابلة الأديان التى اتسمت بالشك حتى فى وجود بوذا وإبراهيم وموسى وعيسى ـ جعلت مهمة المؤرخ أعوص وأدق فى تحديد سنة ميلاد السيد المسيح ، ثم جاء القرن التاسع عشر وقد طغت على ميدان الدراسات الدينية موجات من كتب الألمان والدنمركيين والفرنسيين والإنجليز التى فندت أقوال المؤرخين وزعمت أن شخصية السيد المسيح من شخصيات الخيال .

     ويكتفى الأستاذ العقاد باجتزاء أهم أساسين مما قامت عليه مدرسة الشك : أحدهما أنه عليه السلام لم يُذكر فى التواريخ القديمة التى فصلت أخبار عصره . والآخر أن روايات التلاميذ عنه قد سبقت روايتها من شخصيات أخرى من شخصيات الزمن القديم وبعضها أقرب إلى الأساطير والفروض .

     أما المؤرخون الذين خصوهم بالذكر فهم « يوسيفوس » و« تاسيتس » و « سوتينوس » .. وكلهم ممن أرخوا عصر الميلاد ولم يثبتوا وجود السيد المسيح بما كتبوه عن أيامه .

     ويدخل الأستاذ العقاد فى مناقشة عميقة لهذه الآراء ، ويستعرض حججا أخرى لمؤرخين آخرين ، ويناقش الحجج المتشابهة ، ومقابلات ومقارنات علماء المقابلة بين الأديان ، ليخلص إلى العلامات « الموضوعية » التى لها الشأن الأكبر فى الإبانة عن شخصية السيد المسيح ، وأصدق تلك العلامات هى التى جاءت فى إبانها وفقا لمطالب زمانها ، ومؤكدة أن الغريب أن يخلو هذا الزمن من رسول يقوم بالدعوة ويصلح لأمانتها ، وذلك هو السيد المسيح عليه السلام .

( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *