فى مدينة العـقاد ـــ (176) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الحياة الفكرية

     كانت المذاهب الفكرية شائعة فى بلاد الجليل حيث ولد السيد المسيح , ومن قبل عصر الميلاد بعدة قرون , وأكثرها الفيثاغورية والأبيقورية والرواقية .

     وتتلاقى هذه المذاهب الثلاثة فى غاية واحدة , هى طلب السكينة والراحة , إلاَّ أن الفيثاغورية كانت أقرب إلى الروحانية بين عقائد الأمم المختلفة من اليونان والمصريين والفرس والهنود .

     وكان الفيثاغوريون الذين كانوا طائفة تجتمع فى « أخوة » ـ يعتقدون فى رئيسهم « فيثاغورس » أنه ابن الإله « ابولون » وانه لم يمت وسيبعث بعد حين , لأنهم يؤمنون كأهل الهند بتناسخ الأرواح , ويحرمون أكل الحيوان , وعندهم أن الناس درجات : بشر , وأنصاف من بشر وآلهة .. وفيثاغورس أحد هؤلاء .

*               *             *

     أما الأبيقورية والرواقية , فقد ظهرتا فى عصر واحد , وانتشرنا بين المثقفين فى جميع أنحاء العالم المعمور .

     ونشأ « أبيقور » بين القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد , على الأرجح فى جزيرة « ساموس » على مقربة من شواطئ آسيا الصغرى , وافتتح مدرسته فى حديقته المشهورة بأثينا سنة 311 ق . م وهو فى نحو الثلاثين .

     وإذا قيست فلسفة أبيقور على معيشته الشخصية , فهى حياة نساك متقشفين , وكان يقضى معظم أيامه على الخبز والماء , ولكن اسمه اقترن باللذات والشهوات لأنه كان يعلم تلاميذه أن السرور هو غاية الحياة , وأن أفضل السرور هو السرور الذى لا يعقب ألمًا وندمًا , ولهذا كان كان يدعو لتجنب الشهوات البهيمية لأنه تعقبها الندامة .

     وكان أبيقور يرى أنه من الحماقة الإعراض عن سرور مستطاع فى غير ألم ولا ندم , ويواجه الموت نفسه على مذهبه هذا فى السرور والألم , ذلك أنه إن لم يكن فى الموت مسرة فإن فيه خلاص من آلام الحياة , ولذلك عاش مذهب أبيقور فى عصور الشك والسآمة وفقدان اليقين .

*           *           *

       أما المذهب « الرواقى » فيخلص فى كلمتين : الصبر , والعفة .

       الصبر على الشدائد , والعفة عن الشهوات , فلا سعادة للإنسان من غير نفسه وضميره , ومن رَاضَ نفسه على مغالبة الألم والحزن وقمع الشهوة والهوى ـ فقد بلغ غاية السعادة .

     والرواقيون يؤمنون بالقدر , ويعتقدون أن الكون كله نظام متناسق يجرى على حسب المشيئة الإلهية , والوحى والرؤيا والفأل وطوالع النجوم من وسائل العلم بأسراره وخفاياه , ويلتقى الإنسان بالعقل مع الآلهة , ويلتقى بالجسد مع الحيوان الأعجم . وفضيلة الإنسانية هى أن يطيع العقل ويعصى الجسد بمقاومة شهواته , وطاعة العقل فى طلب المعرفة .

     ويقول الأستاذ العقاد إن الرواقيين نشأوا ماديين فى البداية , يؤمنون بأن الوجود كله أصل واحد , ولكنهم تدرجوا فى الروحانية وانتهى خلفاؤهم فى عصر الميلاد وما بعده إلى الإيمان بحرية الروح فى مواجهة المادة , فالإله الأكبر « زيوس » لا يستطيع أن يجعل الجسد حرًّا من قيود المادة ولكنه يعطينا قبسًا من روحه الإلهية , فنصبح بنعمته أخوة لا يفرق بينهم وطن ولا جنس ولا لغة .

     ويتبع الرواقى طريق القدر لأنه هو الخير وليس مجرد ضرورة , فإن الإله الأكبر لا يريد شرًا ولا يخلقه , وما هذه الشرور التى فى الدنيا إلاَّ نقائض محتومة يستلزمها وجود الخير ولا يُعْقل الخير بغيرها .. فلا تُدْرَك الراحة بغير التعب , ولا الشبع بغير الجوع , ولا محل للرحمة بغير القسوة .. الخ . والحكيم يحمل فى حكمته ترياق كل سر ودواء كل بلاء .

     والمدرسة الرواقية مدينة كلها ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ للأئمة الشرقيين , لا سيما القطبين الكبيرين : زينون ( 340 ـ 270 ق م ) وبوزيدون ( 135 ـ 51 ق . م ) . فهم جميعًا من الفينيقيين أو من اليونان الذين استشرقوا , وخلاصة مذهب « زينون » : « أن الإله جوهر ذو مادة Soma وأن الكون كله هو قوام جوهر الإله , وأن الإله يتخلل أجزاء الكون كما يتخلل العسل قرص الخلايا , وأن الناموس Nomas ـ وهو بعبارة أخرى مرادف للعقل والحق ـ هو والإله زيوس شئ واحد يقوم على تصريف مقادير الكون » .

     وباقى نظريته أن الواجد الموجود واحد , كان منفردًا بلا شريك , فشاء أن يخلق الدنيا فأصبح هواء وأصبح الهواء ماء , وجرت فى الماء مادة الخلق Sparmathos Logos كما تجرى مادة التوليد فى الأحياء فبرزت منها مبادئ الأشياء وهى النار والماء والهواء والتراب , ثم برزت الأشياء كلها من هذه المبادئ على التدريج . ولا شئ عنده أعظم من الكون Cosmos فهو عاقل لأنه عظيم .

   وآخر الأقطاب الرواقيين قبل الميلاد ـ بوزيدون , وكان يعلم تلاميذه أن الروح لا تفنئ بفناء الجسد , وأنها ترتقى صعدا فى السماء على حسب ارتقائها فى المعرفة والفضيلة . ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *