فى مدينة العـقاد ـــ (175) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

توابع الانقسامات السياسية

   تمت البليّة بتقسيم البلاد بين أبناء « هيرود » الثلاثة ، فاختص « هيرود الثانى انتيباس » بالجليل حيث ولد السيد المسيح عليه السلام ، ووقعت يهودا فى حصة « أرخلاس » ، ووقعت مشارف الشام فى حصة « فيليب » . وكانت مراسم الولاية آنذاك أن يذهب الملك إلى روما ليتلقى عهد الإمارة من يدى القيصر .

     وأقر القيصر الأبناء الثلاثة فى ولاياتهم ، ليتزايد التمزيق التى تسعى إليه روما لتخيف كل ولاية من الأخرى وتستبقى لنفسها السيطرة ، وقد زاد التمزق بين أبناء هيرود الثلاثة وبين حكومات النبطيين والمدن العشرة .

     ومن المتواتر مع تصحيح تاريخ السنة كما سيأتى ـ أن السيد المسيح ولد فى أعقاب ثورة جائحة اشتعلت فى أقاليم فلسطين حيث يهودا على الخصوص ، وأريقت فيها دماء الألوف من الغلاة ، لأنهم هبوا فى وجه الدولة الرومانية احتجاجًا على الإحصاء العام .

     وأشعل الإحصاء نار الثورة لأنه أثار بين الإسرائيليين مشكلتين قديمتين ، إحداهما الاعتراف بملك غير « يهودا » الذى يؤمن الإسرائيليون بأنه الإله والملك ، وأن المبايعة لغيره كفر وخيانة . والثانية كانت مشكلة الضريبة وعسف الجباة فى تحصيلها على نوعين : واحدة للهيكل ، والأخرى للدولة .

     وكان أداء الضريبتين عبئًا مرهقًا فوق طاقة الفقراء ، ولكنه صار بالعسف فى التحصيل عبئًا لا يطيقه الموسرون أيضا .. لأن روما كانت تحصل الضريبة بطريق الالتزام والمزايدة ، وكان الملتزم يأخذ لنفسه غير ما يسلمه لخزانة الدولة ، فصار التحصيل يزيد على ضعفى المال المطلوب ، ولهذا كانت طائفة « العشارين » بغيضة إلى الشعب ، لا يغفر الناس لهم أنهم تجردوا لخدمة الملتزمين الأجانب ويبتزون من أرزاق المعوزين . ومن هنا كان إنكارهم على السيد المسيح أنه كان يخاطب العشارين ويدخل بيوتهم ويستمع إلى مناجاتهم ، ولكنه كان يستمع لهم ويوصيهم بالأمانة فى الجباية .

   وقد أشعل الأمر بالإحصاء العام الظنون فى زيادة الضرائب ، ولا خلاف بين المؤرخين فيما يورد العقاد ـ على أن الحالة السياسية فى فلسطين كانت على أسوأ ما تكون ، ويدل على ذلك تصفح الأناجيل التى صورت حالة البؤس واليأس التى كانت ترين على القرى والمدن فى أقاليم فلسطين ، ولا سيما إقليم الجليل .

     ولم يأت أوان رسالة المسيح عليه السلام ، حتى كانت قد سبقتها رسالات لرواد تمهد لها ، ومن أقوى هؤلاء الرواد يحيى المغتسل أو يوحنا لمعمدان ، بيد أنه لم يكن الوحيد ، فجعل للتطهير رمزًا هو الاغتسال بالماء ، فكانت هذه الجسارة على التطهير كفؤًا لجسارة الطاغية الأثيم على الدنس والخيانة ، وقد دمغ هذا العهد بأصدق صفاته حين بذل رأس النبى لراقصة مبذولة الجسد . ولا جرم أن يكون عصر « يحيى المغتسل » عصر رسالة عاجلة أو عصر ارتياد وتمهيد لرسالة السيد المسيح .

الحياة الدينية

     بلغت الدولة الرومانية على عهد الميلاد غاية مداها ، ودخلت فى سيطرتها أمم العالم المعمور كله ، ما عدا الشرق الأقصى ، وصار من رعاياها أناس يختلفون فى الجنس واللغة والعقيدة .

     وشهد عصر الميلاد عدة موجات دينية تجرى من الشرق وتغمر بلاد الدولة الرومانية بما فيها العاصمة الكبرى .

     ويبدو أن اتخاذ النحل الشرقية كان موافقًا للقياصرة وللرعايا فى وقت واحد ، فقد كان القياصرة يطعمون فى الربوبية ويسمعون أن كهنة المعابد فى الشرق يعلنون حلول الألوهية فى أجسام الملوك ويرشحونهم للعبادة ، ولا يزال خبر المناداة بالاسكندر ابنا للإله « آمون » خبرًا يتناقله المطلعون على سيرة ذلك الفاتح .

     أما رعايا الدولة الرومانية فكانوا خليطًا من شعوب مختلفة ، وسرى ذلك إلى الجيوش ، ولم يكن من شأن هذا الخليط أن يتعصب لعبادات روما أو يعرض عن غيرها ، فوافقه أن يتشبه بالمشارقة كما حدث فى عهد الإسكندر ، وأن يطلب الربوبية أو يتلمسها فى
القياصرة !

     ولا تزال سمعة الشرق عند الغربيين أنه مهبط الأسرار العلوية ، وأن كهنة الشرق سحرة يطلعون على الغيب وينفذون إلى باطن الديانات ، وكلمة السحر عندهم Magic منسوبة إلى المجوس ، ولا يزال السحر البابلى مضرب الأمثال من الزمن القديم إلى الزمن الحديث .

     فلا عجب إذن أن يؤخذ القوم بهذا السحر ، ولهذا زحفت على العالم الروحانى نحلة « مثرا » ونحلة « إيزيس » ، ونحلة المتنطسين ، كما زحفت عليه نحلة « أورفيوس » اليونانية من آسيا الصغرى ، ومرجعها هى أيضًا إلى الشرق القديم .

 *       *         *    

    وقد شوهدت آثار العبادة المثرية فى أقصى الدولة الرومانية من المغرب ، سواء فى آثار السور الرومانى بالبلاد الإنجليزية وغيرها ، أو فى شيوع هذه العبادة بين شبان
الجيش .

     واقترفت نحلة « ايزيس » المصرية بنحلة « مثرا » الفارسية فى غزو بلاد الرومان واليونان ، فسماها اليونان « ديمتر » ونحلوها صفتها المصرية ، ولا شك أن المراسم السرية التى تلازم نحلة « إيزيس » كان لها أثرها فى تشويق الناس إلى انتحالها .

       وخرجت من مصر أيضًا نحلة قوية على قلة عدد المنتمين إليها ، تلك هى نحلة المتنطسين Therapeuts التى ذكرها الحكيم الإسكندرى اليهودى فيلون ، وقال إن أتباعها كانوا يجتمعون يوم السبت ويتفرقون بعد ذلك فى الصوامع للتأمل والدراسة الفلسفية ورياضة الروح والجسد .

     ومما يلاحظه الأستاذ العقاد أن نحلة « أورفيوس » اليونانية لم يكن لها من الأشياع بين الرومان ما كان للنحل الشرقية الخالصة ، وكثيرًا ما قيل فى كتب المقابلة بين الأديان إن « آتون » الإله المصرى و« أدونيس » الإله اليونانى و« أدوناى » بمعنى السيد أو الرب باللغة العبرية ـ أسماء عدة ترجع كلها إلى مصدرها المصرى القديم .

       ومن الواضح أن هذه النحل التى كانت تصطفى الأعضاء والمريدين ـ لم تكن ديانات عامة ، وإنما كانت فى جوهرها أشبه بالروابط الاجتماعية . ولكن الدلالة الكبرى التى تتجمع من شيوع هذه النحل فى عصر الميلاد ـ أنها « أولا » علامة على طلب الاعتقاد وإحساس المخلصين المستعدين للإيمان ، وأنها « ثانيا » علامة على الوجهة العالمية فى طلب العقائد الروحية .

     وجملة ما يقال عن الحياة الدينية يومئذ ـ فيما يرى العقاد ـ أنها كانت حياة تقليد أو حياة تطلع ورغبة فى الاعتقاد عن بحثٍ وبينة ، وأنها كانت تجرى مجراها إلى « العالمية » ، وأهم من هذه « العالمية » فى النحل ـ « عالمية » فى اللغة والثقافة حطمت أقوى الحواجز التى كانت قائمة قبل ذلك زهاء عشرة قرون ، فبعد أن كانت العبرية هى لسان « يهودا » ، ما ليث أن تعددت الكتابة باللغة الآرامية وما يشابهها من اللهجات السريانية ، فكانت الآرامية هلى اللغة التى بشر بها السيد المسيح والتلاميذ ، وكانت اليونانية هى لغة الأناجيل ، وكانت السريانية هى لغة التوراة والإنجيل معا . وأهم الظواهر فى سياق الكلام على الحالة الدينية العامة قبل الميلاد أن العقائد الوثنية كانت فى حالة أشبه ما تكون بحالة التصفية قبل إشهار الإفلاس . 

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *