فى مدينة العـقاد ـــ (174) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     عندما جاء عصر الميلاد , كان كثير من الكهان يشتركون فيما يقول العقاد ـ فى صناعة الكهانة , ولكنهم لا يعملون فى الهيكل , وكان كثير من الكتبة والفقهاء يشتركون فى العلوم الدينية ولكن دون أن يكونوا من الرؤساء الوراثيين .. وشاع بين الناس إهمال الكهان فى المسائل الدينية , وأصيبت مكانتهم التقليدية بضربة قوية , وانفسح الطريق للدعوة الغير مصحوبة بالمراسم الكهنوتية .

     وولد السيد المسيح ووظائف الهيكل مصفاة فى المجمع المقدس الذي يطلق عليه « السنهدرين » , وعدد أعضائه فيما يذكر العقاد واحد وسبعون , منهم ثلاثة وعشرون يتألف منهم المجلس المخصوص , وتغلب عليه الصبغة الرسمية التقليدية , ويتصل أعضاؤه برجال الدولة فى الشئون العامة .

*           *           *

     لم يكن لدى هذه الهيئة ترحيب بِبُشْرى « المسيح المنتظر » , لأنها تتضمن الحكم بفساد الزمن واليأس من صلاحه , ولكنها مع ذلك لا تستطيع أن تتنكر لهذه الدعوة لأنه باب الأمل الوحيد فى وجه المؤمنين .

     والكلام فى القوى الدينية التى كان لها عمل محسوس فى موطن السيد المسيح قبل ميلاده عليه السلام , يستوجب الإشارة إلى طائفة « النذريين » أو « المنذرين » .. وهم الذين وهبوا أنفسهم أو وهبهم أهلهم لحياة القداسة وخدمة الله والتبشير باليوم الموعود .

     ولم يكن « النذريين » طائفة تجمعها وحدة , وإنما كانوا آحادًا متفرقين ينذر كل منهم نفسه أو ينذره أهله على حدة لخدمة الرب .

       ولم يكن يشترط فى « النذرى » أو « المنذور » أن يعتزل الناس أو يهجر العالم , ولكنه كان يراض على حياة التنطس , فلا يجوز له شرب الخمر ولا أن يدنس جسده بملامسة الموتى أو الأجسام المحرمة .

       وقد تكاثر النذريون قبيل مولد السيد المسيح لأنه وافق نهاية الألف الرابعة من بدء الخليقة , وهو الموعد المنتظر لبعثة المسيح الموعود , حيث كانوا ينتظرونه على رأس كل ألف سنة .

   والذين قدروا أن القيامة تقوم بعد سبعة آلاف سنة من بدء الخليقة ـ كانوا يؤجلون ملكوت السماء على الأرض إلى نهاية الألف السادسة .

     والمهم فى أمر النذريين بالنسبة إلى السيد المسيح , أن النبى يحيى المغتسل ( يوحنا المعمدان ) كان علمًا من أعلامهم المعدودين وأن السيد المسيح يُعَمّد على يديه أو يأخذ العهد عليه .

     وقد كان النذيريون قوة ذات بال ، لأنهم كانوا فتية معمورة قلوبهم بالأمل معقودة نياتهم على الإصلاح .

الحياة السياسية والاجتماعية

     فتحت سوريا وفلسطين للدولة الرومانية على يد القائد الكبير « بومباى » الذى قضى على ثورة العبيد الثالثة بقيادة « سبارتاكوس » الشهير .

       وقد اعتبرت هزيمة « سبارتاكوس » من عظائم الأعمال التى احتسبت للقائد « بومباى » وخلدت ذكره بين عظماء الرومان ، بعد قضائه على الثورة التى مثلت صدعًا خطيرًا للدولة .

     ولم يكن سبارتاكوس ـ وهو من أهل تراقية ـ أول عبد شرقى يثور على الدولة الرومانية ، بل سبقه رقيق آخر إلى الثورة فى صقلية سنة 143 ق . م واستطاع أن يقيم لنفسه عرشا استقر فى الجزيرة عشر سنوات ، وتجلى قائدها « أونس » لأتباعه فى صورة النبى المرسل ، وسبقت ثورته وتلتها ثورات لم تخل من صبغة دينية فيما تدعيه لقادتها .

*           *           *

     ولم يكن هذا الخطر الكامن خافيا على المصلحين من ساسة الرومان ، وأرادوا إصلاح العيوب الاجتماعية بالرجوع إلى الشريعة التى تقيد المواريث وتحرم الزيادة فيها على خمسمائة فدان .. ولكن عوامل الخراب كانت فى تلك الأجيال أعمق وأكثر تأثيرا من عوامل الصلاح .

     ثم كان عصر أوغسطس المسمى بالمجيد ـ هو عصر الميلاد الذى قال فيه السيد المسيح فى رواية متى « إن للثعالب أوجره ولطيور السماء أوكارا ، أما ابن الإنسان فليس له ابن يسند رأسه » .

 *           *           *  

     والواقع أنه كان فيما يرى العقاد ـ عصرًا مجيدًا بقوة السيف دون قوة أخرى من القوى الإنسانية ، واستفادت روما من قوة السيف كل ما تعطيه .. وحققت فتوحات واسعة وسطوة تصد الأعداء وتقمع الثائرين ، وضيعت الجمهورية فى سبيل القيصرية المطلقة ، بل ورفعت القيصر إلى مقام الربوبية ، وخلعت على القيصر أوغسطس لقب إله ، وقررت عبادته مع الآلهة ورصدت له شهرًا فى السنة لا يزال معروفًا باسمه إلى اليوم .

     وضاع القانون الذى كان فخر روما ـ ضاع مع السلطان المطلق ، وضاع النظام مع التفاوت البعيد بين الحكام والمحكومين ، فصدق فى روما كلها وصف السيد المسيح لذلك الرجل الخاسر الذى كسب العالم وخسر نفسه ، فضاع أو أضاع !

     ولم يستقر الأمر للدولة الرومانية إلاَّ بعد تنازع ضارٍ مع الفرس تغلب فيه أنصار الفرس على أنصار الرومان فى بيت المقدس ، وانضم إلى الرومان زعيم مشهور بالحزم والحصافة فى البادية الجنوبية من فلسطين وكان على رأس قبائل الأدوميين ، ثم كافأته الدولة الرومانية بتنصيبه ملكا على يهوذا والسامرة والجليل حيث ولد السيد المسيح ، وكافأهم هو بالإمعان فى محاكاة المدنية الرومانية ، وجعل يداهن السلطتين الدينية والمدنية ، وغالى فى الغيرة اليهودية التى كانت قبيلته تدين بها على سبيل المداراة .

     ومع هذا الجهد الجهيد فى التقريب ، مات « هيرود » مغضوبًا عليه من قومه أشد الغضب ، وقد عقد محكمة حُمل إليها وهو مريض لمحاكمة الغلاة من بنى قومه وقضى عليهم بالحرق أحياءً ؛ وقبض على المحبوبين من زعمائهم وأوصى بقتلهم إذا مات حتى تذهب نفوس قومهم عليهم حسراتٍ ، فلا يفرحون شماتة فى موته ، ومع هذا لم يمنعهم ذلك من الفرح لموته الذى ترقبوه ! 

   ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *