فى مدينة العـقاد ـــ (173) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     كانت الطائفة الثالثة أقل عددًا ولكن توازى أو تزيد فى القوة والأثر . تلك هى طائفة الآسين أو الأسينيين كما كان يكتبها رواة الأخبار فى عصر الميلاد .

     لا يزيد عددها على أربعة آلاف طبقا لتقدير المؤرخ « يوسيفيوس » والفيلسوف « فيلون » ، يعيش أكثرهم فى جنوب فلسطين . ومصدر قوتهم صرامة العقيدة وتنظيم الخطة ، وقد تكون دلالتهم أعظم من قوتهم ، حيث كانت الطائفة من صميم الأمة الإسرائيلية واستقلت بشعائرها وأسرارها وأوشكت أن تستقل عن الهيكل .

     والراجح بين آراء متعددة ، أن اسم الطائفة مأخوذ من كلمة «آسى » بمعنى الطبيب أو النطاسى ، وهو تفسير معقول لأنهم كانوا يتعاطون طب الروح ويدعون إلى إبراء المرضى بالصلوات والأوراد .

     والأغلب أن منشأ هذه الطائفة كان بالإسكندرية فى القرن الثانى قبل الميلاد ، واقتبست من مدارس الإسكندرية كثيرًا من أنظمة العبادات السرية .

     وكان هؤلاء ينقسمون فى النحلة على ثلاث درجات : درجة التلمذة ويقبلون فيها الصبيان دون الحُلُم ، ودرجة المقسمين وهم الذين يقسمون اليمين ويقضون سنة فى الرياضة والتدرب على العبادة والإطلاع على الأسرار قبل أن ينقل المُريد إلى الدرجة الثالثة : درجة الواصلين ، ويقضى فيها سنتين ثم يرتدى شعار الطائفة وهو ثوب أزرق وزنار ويحمل الفأس فى يده كناية عن العمل الشاق .

     وليس فى هذه الطائفة رئاسة ولا سيادة ، والرق عندهم حرام ، وعملهم المفضل الزراعة والصناعة اليدوية . أما التجارة فهى فى مذهبهم عمل خبيث ، وأخبث منها حمل السلاح للقتال .

     وعندهم أن المادة مصدر الشر كله ، والسرور بها سرور بالدنس والخيانة . وهم مؤمنون بالقيامة والبعث ورسالة المسيح المخلص ، ويعتقدون أن الخلاص بعث روحانى يهدى إلى حياة الاستقامة والصلاح ، ورائدهم فى طلب الرضا النبى « عاموس » الذى كان يعلم الشعب التقرب إلى الله بالعدل والرحمة .

*         *         *

     والطائفة الرابعة ، طائفة الغلاة أو الجليليين أتباع يهود الجليلى ، ولا يبعد أن تكون هذه الطائفة فرقة متطرفة من « الآسين » ، لأنهم يسلكون مسلكهم فى التقشف والقناعة ويزيدون عليهم بالحض على العمل لتحقيق النبوءات وتقريب يوم الخلاص .

 *         *         *

     أما الطائفة الخامسة ، فهى طائفة « السامريين » ، وهى خليط من اليهود والأشورين ، وكانوا يقيمون فى مملكة إسرائيل القديمة ، ويقال إنهم قبائل أشورية أرسلها ملوك بابل إلى فلسطين ليسكنوها فى أماكن القبائل اليهودية التى نقلت إلى ما بين النهرين وسميت بسبايا بابل ، ويقال إنهم اختلطوا باليهود الذين بقوا ولم تحملهم الدولة البابلية إلى بلادها .

     ومن المحقق فيما يقول العقاد ـ إن هؤلاء السامريين كان لهم شأن فى تطور الفكرة المسيحية أو فكرة الخلاص المنتظر على يد الرسول الموعود .

خارج الطوائف

     ولم يخل الأمر من أناس هنا وهناك يئسوا من جميع الطوائف والنحل ، واعتزلوا الدنيا وعاشوا فى الصوامع ، وارتفع شأنهم فى عين الشعب لسوء ظنه بالدعاة المغامسين للدنيا ، ومن هؤلاء « بانوس » الذى تتلمذ عليه « يوسيفيوس » المؤرخ الكبير . وكان على مثال « بانوس » نساك متعددون يشبهونه فى شعائر الاعتزال والاغتسال ، وأشهرهم يحيى المغتسل المعروف فى الأناجيل باسم يحيى المعمدان ، وفى الإسلام باسم النبى يحيى عليه السلام .

موقف الهيكل

     أما موقف الهيكل من هذه الطوائف والفرق فهو الموقف « الرسمى » المعهود ، بينما كان موقف المسئولين يميل إلى التوافق وتجنب التحيز ، والاجتهاد فى كسب ثقة الناس ، وعدم إغضاب سلطان الدولة .. وقلما تيسر لهم النجاح فى هذه المهمة .

       وكان الهيكل خيمة فى عهدة البداوة ، ويعتقد الناس أن الله يتجلى فيها للأنبياء والكهان ، ثم بنيت الخيمة من خشب يفك وينقل فى أيام التيه ، ثم أقام سليمان الحكيم بناء هيكله بديلاً عن الخيمة والمعبد الخشبى ، وقد ارتفعت أقدار كهنة الهيكل وأحباره ثم هدمه البابليون بعد أربعة قرون ، ثم أمر « قورش » أو « كورش » الفارسى بإعادة بنائه عام 536 ق . م ، ثم جدد الملك « هيرود » بناءه وأضاف إليه بعد خمسة قرون ، وتم ذلك أو كاد فى عصر الميلاد فيما يقول الأستاذ العقاد .

       ولكن الهيكل بعد تقلب العصور وسيطرة الدولة على مناصب الكهانة ـ خسر من المكانة بمقدار ما كسب من الفخامة ، وبدأ عصر الميلاد وسلطان الهيكل يتداعى حقيقةً وواقعًا ، ويتمكن ظاهريًّا . فقد كان الموئل الوحيد الذى بقى لقومه بعد زوال ملكهم واليأس من إعادته .

  *         *         *

     وكانت وظائف الهيكل كلها محصورة فى أصحاب الكهانة ، وكانت وظيفة دينيه موقوفة على سلالة هارون أو قبيلته لا يتولاها غيرهم من أسباط اليهود ، ولما تطاول الزمن وتكاثرت ذرية هارون وجد منهم ألوف بلا علم ولا عمل ، فصاروا يتعاطون الكهانة ويقتسمون النذور ولا يشتركون فى تعليم الناس أو إقامة الصلوات ، ووجد إلى جانبهم أناس عرفوا بالكتابة ، لا نصيب لهم من وظائف الهيكل ولا من نذوره وأوقافه وعرفوا بجماعة « الكتبة » أو فقهاء الدين . وكانوا جميعا من الفريسيين . وبقيت الأمور على ذلك حتى جاء عصر الميلاد .

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *