فى مدينة العـقاد ـــ (172) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

النبوة بين بنى إسرائيل

يبسط الأستاذ العقاد هنا أن معرفة استعداد عصر الميلاد لاستقبال دعوات النبوة ـ يوجب الإلمام بأحوال النبوة فى الشعب الإسرائيلى منذ تكاثر عدده وتنوعت أعمال الرئاسة والتعليم بين قبائله .

ولا يمكن معرفة استعداد عصر الميلاد ولاستقبال النبوة المرتقبة فيما يرى العقاد ـ إلاَّ بالإلمام بأحوال النبوة فى الشعب الإسرائيلى منذ تكاثر عدده وتنوعت أعمال الرئاسة والتعليم بين قبائله .

ونحن نعلم عن يقين أن من يقوم فى عصرنا على ادعاء النبوة ، يقدم على خارقة هائلة مستغربة ، ثم نحن نعلم عن يقين أن الفترة ما بين إبراهيم وموسى ثم ما بين موسى وعيسى ثم ما بين عيسى ومحمد ـ بلغت المئات فى حساب السنين ! فضلاً عن أن ظهور الأنبياء حادث جلل لا يتكرر فى كل جيل ، ولا يراه الإنسان فى عمره مرتين .

ونحن نعلم من تواريخ كبار الأنبياء أنهم لاقوا الأمرين وأقدموا على مصاعب هائلة تخيف المقدمين عليها ، وشقوا بدعوتهم سبلاً لا يسهل تذليلها .

أما فى بنى إسرائيل ، فالملحوظ أن وجود الأنبياء فيهم لم يكن ندرة ، ولم يكن بينهم « فترة » أو لم تكن هذه « الفترة » لزامًا أو مستغربًا .. فقد تعددت أنبياؤهم فى الزمن الواحد ، ولم يكن مقدم النبى إنكارًا لنبوات السابقين عليه ، ولم تكن النبوءة بإذن من ذوى السلطان أو من الكهان أو من الشيوخ المطاعين فى كل قبيلة .

*     *     *

وكثيرًا فيما يحصى الأستاذ العقاد بعضه ـ ما كان النبى ينحى على زملائه فى عصره ويخالفهم تفسير النذر من ربه .

وكان المعهود فى الأنبياء كما روت أسفار التوراة أن يطلب أنبياء إسرائيل حالة الكشف كما يطلبها المتصوفون والنساك .. ويضرب الأستاذ العقاد أمثلة لذلك بما جاء فى سفر دانيال ، وفى سفر صموئيل الأول ، وفى سفر الملوك الثانى ، وفى سفر حزقيال .. ولا يمتنع عند هؤلاء أن يلهم الله بالرؤيا الصالحة أو الدليل البين ـ إنسانًا من غير الأنبياء بل ومن غير شعب إسرائيل .

وكان الغالب على سامعى النبوءات أن يطلبوا آية أو ما نسميه حجة الصدق على صدق المتكلم وأنه ينطق ـ كما يقول ـ بوحى من الله .. فلم تكن النبوءة لدى بنى إسرائيل بدعة مستغربة ، ولم يكن فيها خطر على النبى إلاَّ حين يتصدى للملوك والأمراء ..

بل لعل الناس كانوا يبحثون عن الأنبياء ويترقبونهم ولا يعتبرون ظهورهم مستغربًا أو خارقًة يستهولونها .

ومع ذلك ، ففى عصر الميلاد ، ترقبت النفوس بشائر الدعوة الإلهية ، يترقبونها ويرصدونها من كل جانب كما يترقب الراصدون كوكبًا حان موعد طلوعه .. ولا جرم إذن أن تتفتح الآذان لصون المبشر الموعود ، ولا جرم كذلك أن يكون البرهان المطلوب منه على قدر الرجاء الكبير فى الخير المنتظر منه ، وأن يمتحنه الناس فيعسروا غاية العسر فى امتحانه خوفًا من سهولة الدعوى على الأدعياء ، وخوفًا من بطلان الرجاء فى إبان اللهفة على رجاء عظيم علقه المرتجون على برهان عظيم .

الطوائف اليهودية فى عصر الميلاد

كان العالم اليهودى فى عصر الميلاد وعلى طوائف مختلفة ، لكل منها مذهبه فى انتظار المسيح المخصص الموعود ـ والتعريف بهذه الطوائف ضرورى لتقرير مكان العقيدة الجديدة بين العقائد التى سبقتها فى بيئات بنى إسرائيل ..

وفيما يبسطه الأستاذ العقاد من أمر هذه الطوائف الدينية اليهودية فى عصر الميلاد ، يكتفى بخمس منها : الصدوقيين ، والفريسيين ، والأسين ، والغلاة ، والسامريين ..

فالصدوقيون هم فى دعواهم أتباع « صدوق » وأسرته الذين كانوا يتولون الكهانة فى عهد داود وسليمان ، وهم على الجملة أنصار المحافظة والاستقرار .. متشددون فى إنكار البدع والتفسيرات ، متشبثون بالقديم ، يؤيدون سلطان الهيكل والكهان ، ويقبلون على أقدم الكتب فى التوراة .. وهى ما عرف بأسفار موسى الخمسة .. وقد كانت الحملة على السيد المسيح عليه السلام ـ بقيادة اثنين من كبار الكهنة الصدوقيين : « حنانيا » و« قيافا » .

*     *     *

     وفى المقابل ، كانت طائفة « الفريسيين » ، وهى أقوى من الطائفة الصدوقية ، بكثرة المبادئ وشيوع الآراء وحسن السمعة بين سواد الشعب . واسم الفريسيين مأخوذ من كلمة عبرانية تقارب كلمة « الفرز » العربية فى لفظها ومعناها .. فهم المفروزون أو المتميزون .. ويجدون سندًا لذلك ما جاء فى سفر اللاويين فى مخاطبة الله الشعب : « وقد ميزتكم
من الشعوب لتكونوا لى » . فهم المميزون المفضلون . وكانوا يثورون على السلطان « الرسمى » حيث كان الهيكل ، وينكرون على الكهان استبدادهم بالشعائر والمراسم ، وينكرون فى الوقت نفسه عادات الأجانب والمتشبهين بهم محاكاةً للحكام والمتسلطين . وكانت ثورتهم الأولى على البدع الأجنبية التى يرفضونها كل الرفض
ـ ومن نقائضهم أن ثورتهم على استبداد الهيكل ورغبتهم فى تعميم الشعائر التى كانت محصورة فى المحاريب ـ هى التى دعتهم إلى إقامة هذه الشعائر فى البيوت بغير حاجة إلى كهان ، فكانوا مع ميلهم إلى السماحة ومقاومة الاستبداد الرسمى ـ أشد من المتشددين .

     وإذا وصف الصدوقيين على الإجمال بأنهم طبقة « الاستقراطيين » ، كان الوصف المستحق للفريسيين أنهم طبقة « الديمقراطيين » .

     والقول الراجح لدى المؤرخين ـ فيما يورد العقاد ـ أن معلمى السيد المسيح فى صباه كانوا من طائفة الفريسيين .

 ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *