فى مدينة العـقاد ـــ (170) ـــ حياة المسيح

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      تعمد الأستاذ العقاد أن يبدأ الطبعة التالية للطبعة الأولى التى كانت قد صدرت عام 1953 من كتابه الرائع : « حياة المسيح » ـ تعمد أن يبدأها بفصل مضاف قبل البدء بالفصل الأول الذى كان قد بدأ به تناول حياة السيد المسيح عليه السلام فى الإصدار الأول .

     ذلك هو الفصل المعنون « كشوف وادى القمران وتفسيرات من فلسفة التاريخ » ، فقد اتفق أن بدأ كشف لفائف « وادى القمران » بشرق الأردن ، فى مطلع سنة 1947 ، إلاَّ أن الأحوال لم تسمح باستمرار البحث فيها والتنقيب عن بقاياها ، لتفاقم مشكلة فلسطين يومئذ ، ولم يتيسر استئناف البحوث والاشتغال بدراستها إلاَّ وهو يتأهب لإعادة طبع الكتاب الذى ألفة سنة 1952 وصدر سنة 1953 . فتوقف العقاد عن إصدار الطبعة الثانية حتى تتهيأ له الفرصة لدراسة ما كشفت عنه البحوث فى وادى القمران .

     ولا أحسب أن كل غرض الأستاذ العقاد من تصدير الطبعات التالية بهذه الكشوف ـ أن يبين فقط مدى اهتمامه بمتابعة كل جديد ، وإنما بعض غرضه ـ فيما أظن ـ أن يبين أن ما كتبه وطالعه الناس منذ سنة 1953 ـ لم يكن قد أماطته بما أحاطته الكشوف وتوابعها فى « وادى القمران » ، وربما كان بعض غرضه أيضا ـ فيما أظن ـ أن يوضح أن انتظار الإطلاع على اللفائف المكتشفة لم يكن ليثنيه عن متابعة البحث فى أسرار النبوة كما بدأت فى عهد إبراهيم وعهد موسى الكليم ، لأن البحث فى هذه الأسرار على عهد الخليل يبتدئى بنا من البداءة الأولى ، ويقترب بنا من مطالعها أو ينابيعها التى تقدمت قبل جميع الينابيع ـ أى قبل اكتشاف هذه اللفائف .

     فدراسة النبوة بعد عهد موسى الكليم ـ افتتحت عهودًا من النبوءات ـ لا النبوات ـ بلغ فيها عدد أصحابها العشرات بل المئات ، ومع ذلك فإن تاريخ موسى الكليم قد يتصل عن كثب بتاريخ لفائف وادى القمران . إذ كان من هذه الكشوف ـ لفائف تتضمن كتبًا من التوراة ، وقطعا من الكتب ( الأسفار ) الخمسة الأولى للعهد القديم المشهورة بالكتب الموسوية ، أو التوراة فى عرف بعض الباحثين ، ولأن العمل كان يساور العلماء الحفريين واللاهوتيين فى استئناف الكشف عنها ، لذا أرجا الأستاذ العقاد الكتابة عن موسى الكليم ، وظنى أن إبلاغ هذه الرسالة وراء تصدير « كشوف وادى القمران » فى الطبعة الثانية لكتابه « حياة
المسيح
» . ونحن نعرف الآن ، أن الظروف بعد ذلك لم تمهل الأستاذ العقاد للكتابة عن موسى الكليم كما كان يأمل ، ولكنه بهذا الإيضاح قصد أن يبين أنه لم يهمل موسى الكليم ، وأن نيته كانت معقودة على الكتابة عنه .

     أما الطبعة الجديدة لكتابه « حياة المسيح » ، فكان المضى فيها متوقفا على استقصائه الموارد الجديدة ، وتحديدًا على مصادر ثلاثة : أهمها لفائف وادى القمران ، ومنها تراجم العهدين القديم والجديد المنقحة فى اللغات الغربية ، ومنها سيل لم يكن ينقطع فى سنة 1953 ـ فيما يقول العقاد ـ من مؤلفات المفكرين الدينيين وغيرهم عن السيد المسيح من وجهة النظر العصرية بعد الحرب العالمية الثانية .

     أما وقد أوضحت ما أظن أنه كان غرض ـ أو بعض غرض ـ الأستاذ العقاد من « تصدير » الطبعة الثانية بكشوف وادى القمران ، فلندع ما أودعه هذا الفصل عن هذه الكشوف وعن تفسيرات من فلسفة التاريخ لمن يريد متابعة هذه البحوث فى كتابه .

     وقد لا نستثنى من هذه الإحالة على الكتاب ، سوى ما أورده الأستاذ العقاد عن الضجة الكبرى التى أثيرت آنذاك حول فقرة فى الإصحاح السابع من سفر اشعيا بالعهد القديم ، والمترجمة فى اللغة العربية بالكلمات الآتية : « … يعطيكم السيد نفسه آية . ها العذراء تحمل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل » .

     فهذه الفقرة تظهر فى الترجمة الإنجليزية المنقحة بعبارة « امرأة شابة » فى مقابل كلمة « علامة » العبرية ، وكلمة « بارانثوس Parenthos » فى الترجمة السبعينية . ولا جديد فيما يرى العقاد فى هذا الخلاف ، لأنه خلاف فى المذاهب الثلاثة التى يدور بحثها على تفسير المقصود « ببتولة » السيدة مريم أم المسيح عليه السلام . فمن أصحاب المذاهب المسيحية من يفسرها بالبتولة الدائمة قبل ميلاد المسيح وبعده ، ومنهم من يقول بالبتولة قبل ميلاده .. ثم ولادة أخوة له بعد ذلك وردت الإشارة إليهم فى كتب العهد الجديد . ومن هؤلاء أصحاب المذاهب من يرجع إلى النصوص العبرية ولا يذكر كلمة « البتول » ، أما فيما بين القائلين بالبتولة الدائمة وبين المستشهدين بأخوة السيد المسيح ، فقد احتج القائلون بالبتولة الدائمة بأن هؤلاء الأخوة أبناء عمومة أو أنهم أخوة منسويون إلى يوسف خطيب السيدة مريم ، إلى آخر ما ورد فى هذا الخلاف القديم .

     وهنا يوضح الأستاذ العقاد أنه كان أمامه تفاصيل هذا الخلاف عند كتابة « عبقرية المسيح » فلم يتعرض له أو لبحث من البحوث فى هذا الصدد ـ إلاَّ ما كانت له صلة لا فكاك لها برسالة السيد المسيح فى عالم الهداية الروحية . وأنه لهذا لم يذكر كلمة « أخى الرب » التى شفعت باسم « جيمس » المقابل لاسم يعقوب فى الترجمة العربية ، وقال عنه إنه
«
جيمس قريب السيد المسيح » .

     ويرد الأستاذ العقاد على من خطر لهم أنه سماه كذلك لأنه لم يطلع على الترجمة العربية لكتب العهد الجديد ، بأن عليهم أن يعلموا استحالة هذا المظنة ، فقد فتح كتب العهدين القديم والجديد مائة مرة وهو يكتب « عبقرية المسيح » ، ومع ذلك فإنه ارتأى للضجة المثارة بشأن اللفائف المستخرجة ، وبشأن عبارة فى سفر اشعيا ، ووراء الترجمة ـ أن ينتظر لما تسفر عنه البحوث ، فقد يكون هنالك من وراء النصوص والأسانيد ما يوجب إعادة النظر فى كتابة « عبقرية المسيح » .

                               *           *        *  

       لقد دعا هذا إلى التمهل من خمس سنوات قبل إصدار الكتاب مرة أخرى ، ولكن الأستاذ العقاد يتساءل الآن ماذا كان يمكن أن يكون موقفه لو علم يومئذ أن محور الضجة على الترجمة ، أنها ستؤول إلى موضوع معاد فى قضية معروفة ، ومع ذلك فهو يرى أن اشتغاله بالإطلاع على طائفة من تلك الكتب ، كان كافيا لتعليق النظر كى يطمئن إلى عاقبة الأناة ، فضلاً عن أن إطلاعه على هذه الكتب الجديدة كان متعة من متع القراءة التى ترضيه قارئا قبل أن ترضيه مؤلفًا ، ولم يحل دون هذه المتعة أنه كان فيها السمين والغث .

       بلا مديح ولا إطراء ، أين هذا الجد العميق ، من السطحية التى صرنا نعانيها الآن ؟!

     آخر ما ينهى به الأستاذ العقاد هذه الجزئية ، أن صفوة ما يبقى بعد حذف التخمينات ، أن الدعوة المسيحية بعد السيد المسيح عليه السلام ، كانت ترجع إلى مركزين : أحدهما برئاسة جيمس ـ أى يعقوب ـ المسمى بأخى الرب ومقره بيت المقدس ، والثانى برئاسة بولس « Paul » الرسول ومريديه ومقره بخارج فلسطين بعيدًا عن سلطان هيكل اليهود . وقد ظلت الرئاسة على العالم المسيحى معقودة للشعبة المقيمة فى بيت المقدس حتى تهدم الهيكل ، فآلت قيادة الدعوة على الشعبة التى كانت بخارج فلسطين وكان لها أثر كبير فى أسلوب الدعوة وفى اختيار وسائل الإقناع .                   ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *