فى مدينة العـقاد ـــ (169) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

إن الدين : ملة إبراهيم وملة الإسلام ، يفتح أبوابه كلها للبسطاء ، كما يفتحها لجميع خلق الله .. وهو يعتنى بالبسطاء ـ وهم كتلة البشر ـ لأنهم قادرون على سلوك الاتجاه إلى الله والمحافظة عليه .. دون تعقيد ودون حواجز.. أما تصور أمور الآخرة ، فليس فى وسع أحد أن يتصورها تصوراً مطابقاً لحقيقتها وواقعها مهما بلغ ذكاؤه وعلمه.. يكفى المسلم فى ذلك أن يعتقد فى أعماقه أنه لا نفع بعد الموت لغنى أو ثـراء أو ملـك أو سلطة أو جاه أو مجد أو نفوذ أو سطوة أو قوة مما يتنافس عليه الناس فى الحياة الدنيا » ..

لا شىء فى الآخرة يخضع لما نقيمه فى الدنيا من سدود وقيود وحدود .. والمؤمن يدرك أن الموت انطلاق وانعتاق ، وليس خسارة ولا فقداً ولا ضياعاً .. إنه انطلاق يرشدنا الأستاذ محمد عبد الله محمد إلى أنه إلى عالم الوفرة والرحمة .. ونفهم الوفرة حيث لا مجال فى ظل الوفرة لما يتنافس عليه الناس لإشباع حاجاتهم فى مجتمع الندرة ، حيث لا يفى المتاح بمطالب ورغبات الكل ، بينما لا شىء محجوب فى ظـل الوفرة .. لا مجال للاستحواذ ولا للاستئثار ولا لقوانين القلة أو المحدودية .. ونفهم الرحمة حين ندرك أنه لا مجال ولا قابلية فى الآخرة مع رحمات الله ـ لا مجال للتناحر ولا للفساد والإفساد .. رحمة الله تتجلى آياتها فى الآخرة فى انحسار كل أسباب التنافس والتسابق والشحناء والاقتتال والحسد والبغضاء .. وعد الله تعالى لنا بآخرة خالية من كل هذه التناقضات ، موفورة وفرة لا آخر لها يضمنها الغنى الحميد البر الرحمن الرحيم الذى لا حل لغناه سبحانه وقدرته وبره ورحمته.

ومن يتأمل فى آيات القرآن المجيد التى تحدثت عن الجنة ، يدرك جيداً كيف أنه فى ظل قانون الوفرة والرحمة تفقد المرغوبات الدنيوية كل أسبابها للشقاق والتناحر ..

« مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ … » ( محمد 15) .

« عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *
لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلاً سَلَامًا سَلاَمًا * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاء مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ *
لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ *
وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا » ( الواقعة 15-37 ) .

بهذه الآيات وأمثالها ، نعرف من القرآن المجيد أن الله تعالى وعد البشر فى ظل قانون الوفرة والرحمة ـ بما يتطلع ويرنو إليه البشر ، وأن آياته سبحانه فى وصف الجنة ـ كما فى وصف النار ـ توكيد لخلود بشرية الإنسان بنسيجها الشعورى والعقلى، والله تعالى أعلم ، وسبحان من له الملك والدوام.

*     *     *

لا يخطئ القارئ المتمعن ـ الرسالة التى ينشدها محمد عبد الله محمد ، حين يراه ينتقل نقلة مهمة يشير فيها إلى أن أهل الأديان السماوية يقرون ملة إبراهيم ، ويتفقون على أنها قد خلت من الخلافات والأحداث والمشاكل التى امتلأ بها تاريخ النصرانية الطويل ، وتاريخ اليهودية الأطول .. وفى القرآن المجيد: « مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا » ( آل عمران 67 ) .. ويقول جل وعلا فى نفس السورة : « يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ » ( آل عمران 65) .. وبهذا ومثله يشير الكتاب المجيد إلى أن المسلمين لا يعبدون تاريخاً ، لا تاريخ أمـة ولا تاريخ دولة ، ولا تاريخ مذهب أو فكرة .. وإنما يعبدون الخالق عز وجل . وليس للخالق ـ سبحانه ـ تاريخ ذاتى.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً .. ولكن له سبحانه على مخلوقاته وعباده أفضال ونعم سابقة وأفضال ونعم لاحقة ، وله عز وجل آيات فى السموات والأرض وما بينهما، أما موقفنا نحن من الله جل وعلا ـ فهو موقف بشرى صرف .. يشمله تاريخ البشر لأنه جزء منه لا يتجزأ ، مهما تغيرت أو تبدلت أو تطورت الظروف والعصور والأحوال والمعارف والأفكار .

وحين نتأمل ملة إبراهيم عليه السلام ، نعرف أنها لم تعرف المعبد ، وإنما عرفت المسجد المفتوح بجميع أجزائه للساجدين إلى ربهم .. ونعرف أنها لم تعرف كهانة ولا وكالة عن الله عز وجل ، ولم تعط أحداً صكاً أو تصريحاً للتكلم باسمه ، ونعرف أن ملة إبراهيم اتصال مباشر بسيط غير معقد بين المخلوق وخالقه.. ونعرف أن ملة إبراهيم ثورة هائلة دائمة على ألوهية المجتمع البشرى ، وأنها لم تسمح بأن يسند الناس إلى المجتمع ما هو لله .. ونعرف من تأملنا فى ذلك كله أن قوى المجتمع ـ لا الدين ! ـ هى التى تتخلل بظلالها وأشباحها عقل الآدمى وعواطفه ومعارفه وعلومه وكل دوافعه وأغراضه .. وأنها هى التى تحيط بروح الإنسان وتكبلها بالدوائر والأسوار ، وأنه كلما نجحت روح الإنسان فى الإفلات من بعض هذه الأسوار وجدت أمامها أسواراً أخرى من صنع المجتمع والناس .. من أجل ذلك كان طريق البشر إلى الله طويلاً، يقتضى من الطالب له السائر فيه أن يثابر ويكافح لتخلص له وجهته إلى رب العالمين.

المسلم فى ملة إبراهيم ، لا ينتبذ الناس ، وإنما يعايشهم من خلال اعتياده على اليقظة لوجود الله وتمسكه بطريق الله ـ سبحانه ـ لا العكس .. ومن يخلص فى توجهه إلى الله لا يعنيه إرضاء قوى المجتمع وأصنامه ، ولا يخضع لضغوط هذا المجتمع الخانقة على روح الإنسان.

إن الانعتاق من ألوهية المجتمع ، ومقاومتها ، هو صراط الاتجاه إلى الله عز وجل بإخلاص وصدق وإصرار واستمرار .. ذلك أن الوثنية بيئة مثالية للطاعة العمياء، لذلك كانت مقاومة هذه الوثنية الدائبة المستمرة هى العبادة الحقيقية والدين الحقيقى والسبيل المستقيم لرفض كل صور الشرك ـ بالاتجاه إلى الله الواحد الأحد رب العالمين.

حين يقع الإنسان فريسة الخوف أو رغاب المصالح ، يصبح المجتمع فى نظره صنماً هائلاً يتقرب إليه بكل السبل طلباً للمال والسلطة والنفوذ والجاه ، وتفقد خطواته ومهجته طريقهما إلى الله.

فى ملة إبراهيم ومحمد ، على الإنسان أن يوجه وجهه وروحه شطر الذى فطره ، لا بالنظر إليه تعالى فقط فى داخل النفس أو فى التطلع إلى السماء ، وإنما بالنظر إليه فى عباده وفى مخلوقاته.. وفى أغلى عبادة عليه وهم الضعفاء .. وسجية الإحسان شاملة فى الإسلام لم تقتصر على الوالدين أو ذوى القربى ، وإنما امتدت لكل ضعيف ألم به ضعف بسبب الفقر أو السن أو المرض أو الحاجة أو الأسر .. يقول عز وجل : « … وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا » ( النساء 36) .. « وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ » (النور 22) .. وفى وجوه البر : « … وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ » ( البقرة 177 ) .. وفى وصية جامعة يقول رب العز لرسوله المصطفى عليه السلام : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ».. ( الكهف 28 ) .

لا معنى للاتجاه إلى الله ، إذا فقد الإنسان إحساسه بقيمة الروابط الإنسانية، وأعطى ظهره للضعفاء ، وحجب بره وعطفه عن المحتاجين .. فالاتجاه إلى الله محبة فى الله لجميع خلقه ، والتفات بار إلى هذه الودائع التى أودعها سبحانه وتعالى لدى كل مسلم .

     هذه الرسالة هى جوهر ما اتفق فيه الإسلام مع ملة إبراهيم الخليل عليه السلام .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *