فى مدينة العـقاد ـــ (168) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

ملة إبراهيم

     من الكتابات القيمة التى تتلاقى مع كتابة الأستاذ العقاد عن إبراهيم الخليل ، ما كتبه أستاذنا الجليل محمد بن عبد الله محمد عن « ملة إبراهيم » فى كتابة الضافى « معالم التقريب » ( كتاب الهلال ـ مارس 1989 )

     لاحظ الأستاذ محمد عبد الله محمد أنه مع كل ما أنجزته البشرية من تقدم فى جميع المجالات ، فإن التعامل مع غير الحسيّات لا يزال صعبًا بل ويزداد صعوبة على كثير من الناس !

     ذلك أن البشرية عاشت دهورًا طويلة تكاد لا تتعامل إلاّ مع الحسيّات الملموسة أو المرئية أو المسموعة .. ومن أجل ذلك تهيبت التعامل مع القلة التى كانت تتعامل أو تدعى التعامل مع غير الحسّى .. وكادت هذه القلة أن تكون معزولة عن جمهور الناس ، سواء فى المعابد أو المحاريب أو المراصد أو المكتبات ..

     إلاّ أنه فى أحضان تلك القلة ـ نما مع الوقت التأمل والتفكير فى الكون والمصير ، ونمت بين جماعات المتأملين تصورات متقاربة غير متماسكة لما يشبه ـ فى البدايات ـ أن يكون دينا .. ونقول يشبه لأنه كان مزيجا من إرهاصات التدين ومن الفلسفة ، خالطه ـ أى المزيج ـ نوع من الترفع والكبرياء يناسب العقول المتعالية التى جاوزت فى تطورها كتلة الناس ، وفتحت الطريق للتأمل الذى قاد إلى هذه التصورات إزاء الكثرة الملتصقة ـ بشدة وإصرار ـ بالوجود المادى حتى فى تصورها للحياة الآخرة ، وفى تمثلها لما هو دين وما هو دينى .

       كانت هذه هوة واسعة ـ فيما قال محمد عبد الله محمد ـ بين الدين غير الحسّى الذى يفهمه المتأملون ، وبين ما يدين به بقية الخلق .. وبقيت تلك الهوة موجودة وتزداد اتساعًا دون أن تتأثر لا بالتحضر ولا بزيادة العمران .

     نعرف أن الإسلام كان فاتحة للوجدان والضمير كسرت هذا الفارق ، لأن كل شىء فى الإسلام يبدأ من الاتجاه إلى الله وينتهى إليه .

     من هنا كان إبراهيم الخليل عليه السلام وملته فى منتهى الأهمية للإسلام ، بل ولكافة الأديان السماوية ..ونحن كمسلمين نعتقد فى ملة إبراهيم ونرى أنها هى هى ملّة الإسلام .

     ورسالة إبراهيم عليه السلام ـ ركزت جوهر الدين فى الاتجاه إلى رب العالمين وحده لا شريك له .. وهو اتجاه عام مطلوب من المفكر وغير المفكر .. ومن المتعلم والجاهل .. ومن الغنى والفقير .. ومن القوى والضعيف ..ومن الصحيح والمريض .

     فالإسلام يلتقى مع ملة إبراهيم عليه السلام ، فى أنهما دين غير حسّى .. مفتوح الأبواب لكل الناس.. الدعوة إليه تتجه إلى كل ما لدى الآدمى من العقل والضمير .. فذلك يجعله يحب الحق من قلبه ويكره الظلم .. والإنسان يجد نفسه حتما على طريق الله ـ كلما قوى نفوره من الظلم وازداد حبه للحق .

     لا يحتاج الإنسان إلى علم كثير لكى يستقيم داخله فيجد نفسه على طريق الله ، وليكون حنيفًا مسلمًا ـ كتعبير القرآن المجيد .. فيكفى الإنسان أن يعتاد نوع اعتياد على الإنصات لنداء فطرته الإنسانية ، وأن يتخلص من ضجيج وصراخ الغريزة الحيوانية ـ ليجد نفسه مكلفًا مسئولاً مدعواً إلى الله جل وعلا .

     إن الله فى ملّة إبراهيم ، وهى دين الإسلام ، وجهة الكل .. لأن الاتجاه إلى الله دين الفطرة .. والإسلام ـ مثل ملة إبراهيم الحنيف ـ لا يطرد أحدًا من مائدة الله ، فلا يزدرى أحدًا أو يستبعده لأنه جاهل من بيئة جاهلة مزدراة .. فهذا أعمى أحق بالنور ..روحه ظامئة أولى بالارتواء .. وفى القرآن المجيد على لسان نوح لقومه : « وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ » ( هود 29 ، 30 ) .. وفى أهل الكتاب : « وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » (آل عمران 75 ، 76) .

     يتوقف محمد عبد الله محمد ليقول نعم : إن الأميين قادرون على الحب بألوانه ومكوناته ، وكلما زادت ألوان الحب ومكوناته ، زاد رضا الله عن الإنسان والإنسانية .. ولأن الآدمى يدرك الظلم ويمقته بفطرته ، فإنه أهل بهذا لأن يضع يده فى يد الله عز وجل .. والدعوة إلى الحق والحب ـ دعوة مفعمة بالأمل .. حاولت وتحاول كسر احتكار الفكر المتكبر الذى يستبعد من رحابه سواد الناس .. وهذه الدعوة المفعمة بالأمل لا تزال من عهد إبراهيم عليه السلام ـ لا تزال دعوة جديدة لم تهرم أو تشخ ولم تفقد جدتها رغم كثرة السنين والهزائم !

    إن ملة إبراهيم هى ملّة الإسلام ، وإسلامه عليه السلام هو إسلامنا .. وفى القرآن المجيد : « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ » (البقرة 127 ـ 129) .

*     *     *

       يقول القرآن المجيد : « وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ »
( البقرة 130
ـ 133 )

ويخاطب الكتاب المجيد ـ النبى عليه الصلاة والسلام فيقول له : « قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » .. (الأنعام 161) ، وفى خطابه للمؤمنين ، يقول رب العزة : «… هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ … » ( الحج 78) .. ويقول جل وعلا لرسوله المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم : « ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
( النحل 123) .. وفى خطاب عام لا تخطئه بصيرة ، يقول القرآن المجيد: « وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً »
( النساء 125) ..

من يتأمل هذه الآيات القرآنية يفهم أن دين الله واحد ، وأن كراهة الظلم وحب الحق ـ تصب فى اتجاه الإله الواحد .. تبارك وتعالى رب إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد .. ومن أحب الحق بكل صورة كان على دين إبراهيم ومحمد وشجرة الأنبياء والرسل .. ولا يغيب عنه شىء وهو فى رحاب ربه الذى قال الكتاب المجيد عنه :
« اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ »
( البقرة 255 ) .

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *