فى مدينة العـقاد ـــ (167) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الرسالة

   يصل الأستاذ العقاد هنا إلى غايته وهى رسالة إبراهيم , فيورد أنه وإن كان تاريخ الأديان لا يرسم لنا خطًّا واحدًا يفصل بين عهدين مختلفين تمام المخالفة , ومع ذلك فإن الأمانة التى اضطلع بها إبراهيم كانت حادثًا جديدًا غير مسبوق فى تاريخ الأديان . ذلك هو أمانة « الرسالة النبوية » .. أمانة نفسٍ حية تخاطب نفوسًا حية باسم الإله الواحد الذى يتجه إليه عباده فى كل مكان .. أمانة تخاطب النفوس مباشرة , ولا تخاطبهم من وراء المحاريب والهياكل , ولا بسلطان دولة أو سلطان كهانة , وإنما بنداء ضمير إلى ضمائر .

     وهذه هى الدعوة التى تستلزم وجود « هداية شخصية » أو تستلزم فيما يرى العقاد وجود إبراهيم متصلاً بمن بعده من الأنبياء والرسل .

   والدعوة النبوية على المثال الذى نهض به الخليل إبراهيم , هى عمل لا غنى فيه عن الشخصية الحقيقية , ولا عن التتابع الذى ينعقد ويتوالى بين الشخصيات من سلالة واحدة , كل منها حلقة حية تتصل بما قبلها وما بعدها .

   كانت دعوة إبراهيم فتحًا جديدًا فى تاريخ العقيدة , اصطبغت العقائد بصبغتها .

*           *         *

     كان توحيد إبراهيم إيمانًا يعلو على ملوك الأرض ونجوم السماء , ويتساوى عنده الخلق جميعا , لأنه سبحانه أعلى من كل عال فى الأرض أو فى السماء ..

   هذا التوحيد قد رفع مكانة الإنسان فى ميزان الخليقة , فليس فى الكون إلاَّ خالق ومخلوق .. هذا المخلوق هو أشرف المخلوقات عند الله بفضيلة واحدة , هى فضيلة الضمير .

   وقد رأى إبراهيم فى رؤياه أنه يؤمر بذبح ابنه , وهو يعلم أن الأرباب فى زمانه كانت تتقاضى من عبادها مثل هذه الضحية , فكانت طاعته تنزيهًا للإله الأعلى عن الإسفاف الذى ران على عبادة الأرباب المتعددين .

   الدين الحق هو الآمر الوحيد الذى يحق له أن يأمر الإنسان بما يناقض الأخلاق أو يناقض اقتناعه ومصلحته ورغبته .

   وارتفاع إبراهيم بهذه الطاعة , هو ارتفاع آخر يضاف إلى ارتفاعه بالتوحيد والتنزيه ..

   ويذكرنا الأستاذ العقاد بما كان قد قاله عن أن حياة أيوب عليه السلام , كانت تجربة دينية من تجاربها الأولى إلى ختامها , وأن هذا يصدق على حياة إبراهيم فى عقائده جميعًا , لأنه اختبر حياة الشرك واختبر شعائره وفرائضه , وخلصت له الهداية بالخبرة والهداية الإلهية .

   وأصدق ما يكون ذلك على ما تلقاه عن « البعث » خاصة , فإن إبراهيم كان هو النبى الوحيد الذى سأل ربه كيف يحيى الموتى فيما رواه القرآن الكريم : « وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » ( البقرة 260 ) .

   وكانت « عقيدة البعث » خفية فى كتب التوراة , وقد مضت قرون قبل أن يُسْمع من « دانيال » : « وكثير من الراقدين فى تراب الأرض يستيقظون , هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدى » ( دانيال 12 : 2 ) .

   وجاء عصر السيد المسيح عليه السلام , ولم ينحسم الخلاف بين طوائف بنى إسرائيل التى تقول بالحياة الأخرى وطوائفهم التى تنكرها . وضرب السيد المسيح المثل بالعازر والرجل الغنى , وفيه إشارة إلى النعيم والعذاب بعد الموت .

   قبل ذلك لم يسمع الناس بما جاء به إبراهيم عليه السلام , لذلك سُمّى أبا الأنبياء لا لمجرده كونه الجد , وإنما لأنه كان رائد الدعوة النبوية فى العالم .

المعجزة

   قال الأستاذ العقاد فى صدر رسالته عن الخليل إبراهيم إن الاهتداء إلى عقيدة التوحيد كان فتحا علميا صحح نظر الإنسان إلى الكون والحياة ولم يكن قصاراه أنه فتح دينى يصحح إيمانه واعتقاده .. لأن حقائق الكون الكبرى لن تنكشف لعقل ينظر إلى الكون كأنه أشتات مفرقة بين الأرباب , يتسلط عليها هذا بإرادة ويتسلط عليها غيره بإرادة تنقضها وتمضى بها إلى وجهة غير وجهتها , فلم يكن التوحيد عبادة أفضل من عبادة الشرك وكفى . بل هو على أصح ونظر أصوب ومقياس لقوانين الطبيعة أدق وأوفى ..

   ويقول فى ختام الرسالة إن الإيمان بإمكان المعجزة فتح كفتح عقيدة التوحيد , لأنه يخلص العقل من حجر الحالة الواحدة التى تغلق عليه أبواب الاحتمال غير باب واحد , هو الواقع المحدود كما يراه .

   فالمعجزة ممكنة وليست بمستحيلة , وعلى الذى يجزم بالاستحالة أن يقيم الدليل , أما القائل بالإمكان فالواقع هو دليله الذى يقيس عليه .

خاتمة المطاف

   يقول الأستاذ العقاد فى الختام .

   وينتهى المطاف بقصة الخليل إلى العصر الحاضر .

   ينتهى إلى العالم الحديث وفيه ألف مليون إنسان , يقرأون قصتهم وقصة آبائهم وأجدادهم فى العقيدة الإلهية حين يقرأون قصة الخليل .

   ومن مبدئها كان مبدؤهم فى الإيمان بالوحدانية .

   ومن مبدئها وهى تمتزج بكل ما استطاع آباؤهم وأجدادهم أن يمزجوها به من صوابهم وخطئهم , ومن علمهم وجهلهم , ومن صدقهم ووهمهم , ومن أفكارهم وأساطيرهم , ومن كل ما يفقهون وما لا يفقهون تراث ضخم غاية فى الضخامة .

   فكيف انتهى به المطاف بعد أربعة آلاف سنة أو دون ذلك أو فوق ذلك بقليل ؟ ..

   وهذه الحقائق التى أخذ الأستاذ العقاد يعددها ـ يمكنك أن تقبلها جملة أو ترفضها جملة , ولكن عليك أن توازن فى الحالين بين الغنم والخسارة

     وبعد ..

     فهذا هو إبراهيم الإنسان حبيب الإنسان ..

     وهو الإنسان حبيب الرحمن .                        (يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *