فى مدينة العـقاد ـــ (166) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   لم يكن إذن لأورشليم أو بيت المقدس ـ هذا الشأن فى حياة إبراهيم ولا فى حياة موسى , ولم يكن لها شأنٌ من القداسة بين جميع بنى إسرائيل حتى فى عهد داود .

   أما الجنوب ـ أو الحجاز ـ المسكوت عنه فى إطار السعى لإثبات دين وإنكار دين , فقد كان له شأنه من القداسة إلى أيام « أرميا » وما بعدها , وكانت كلمة « تيمان » مرادفة فيما يقول الأستاذ العقاد ـ لكلمة الحكمة والمشورة الصادقة . وهذه الكلمة تقابل كلمة « يمن » فى اللغة العربية بجميع معانيها , ومنها الإشارة للجنوب . ومما يذكر أنه ورد فى سفر التثنية بالعهد القديم على لسان موسى : « جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من جبل السعير »
( التثنية 33 : 2 ) , وقد أحصيت عن طريق المعجم المفهرس للعهدين القديم والجديد , فوجدت أن جبل سعير ورد فى سفر التثنية عدة مرات . علمًا بأن جبل سعير يقع على نحو
8 كم إلى الشمال الشرقى من مدينة الخليل الآن .

     ويشير الأستاذ العقاد أيضًا إلى ما جاء بسفر حبقوق : « الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران » ( حبقوق 3 : 3 ) . ويضيف أن أيسر ما يستوحيه طالب الحقيقة أن يتساءل : كيف يكون الجنوب موصدًا فى وجه إبراهيم ؟ وكيف يطوف الأقطار جميعًا ولا ينفتح له الباب الذى لا موصد عليه ؟ .. إن كان أحد الطريقين مفتوحًا أمامه , فليس هو طريق بيت المقدس , بل طريق الحجاز .

     فى هذا الطريق سلك الأنبياء , وذكرت المصادر الإسرائيلية ذاتها أن منهم من بلغ مدين ( قوم شعيب ) , وذكرت منهم من لعله أقام فى نجد أو أقام وراءها فى البلاد العربية ..

   ويلاحظ الباحث أن المصادر الإسرائيلية لم تذكر صالحًا ولا هودًا ولا ذا الكفل ولا غيرهم من الأنبياء العرب .

   فلماذا السكوت من هذه الناحية , بيد أنه لا موضع للتساؤل , فهو غنىٌّ عن التساؤل لأنه معلوم السبب والغاية !

     ثم ..

     ها هنا رواية عن نشأة الكعبة فى الحجاز فى عهد إبراهيم , وعلى من ينكرها أن يستوثق أولا من أسباب إنكارها , ثم عليه بعد ذلك أن يعرف ويعرفنا بما هو أصح من ذلك التاريخ , وأولى بالقبول .

   ثم ..

   ها هى الكعبة قائمة , فمن الذى بناها ؟

   إن روايات القوم الأميين : قوم مكة فى الجاهلية ـ تذكر لنا أن مكة عمرت قديمًا بأناس من اليمن ثم أناس من النبط .

   ولكن أهل اليمن ـ فى اليمن ـ لا يخلفون لغير بلادهم قداسة , وقد حدث منهم غير مرة أن نظروا إلى الكعبة نظرتهم إلى منافس خطر , فهموا أن يهدموها وتحويل الحجاج إلى معبد يقوم مقامها لدى العرب عندهم .

     أما النبط فى الشمال فمكة هى طريقهم ولا مزاحمة عليها منهم , وآثارهم الباقية فى البتراء تنطق بالمشابهة بينهم وبين الحجازيين فى العبادة واللغة والسلامة , والنسابون من الحجاز يقولون إنهم نبط وأخذوا الأصنام من النبط , وجميع المصادر بعد ذلك تقول إن النبط هم ذرية بنات إسماعيل ..

   وعلى ذلك فأن الأمر الذى لا يتفق مع العلم ولا مع الواقع ـ أن يقال إن إبراهيم لم يذهب إلى الحجاز لأن المصادر الإسرائيلية خلو من هذا الخبر !!!

   وأقرب ما يرد إلى الخاطر , أن إبراهيم ذهب إلى حيث يصنع شيئًا باقيًا فى سبيل دعوته , ولا قبلة له إذن غير الحجاز .

   لقد جاء فى المأثورات جميعا أن إبراهيم شهد عصر الكوارث والرجوم ( ما يرجم به من الحجارة ونحوها ) فى مدن فلسطين الجنوبية , وبقيت آثار البتراء إلى اليوم وفيها أنصاب من هذه الرجوم فى أماكن العبادة .

   وليس من اعتساف التفسيرات أن يقال إن الحجر الأسود نقل من البتراء عند بناء الكعبة , وقد تبين وثبت بعد ذلك أنهم نقلوا كثيرًا من طريق البتراء بعد اتخاذ الكعبة قبل الإسلام بعدة أجيال .

   كما أنه ليس من المسائل العرضية أن تتشابه الحجارة فى قوم تركيبها , وهى تختلف فى بنيتها المعدنية والصخرية كما هو معلوم .

   وربما سميت مكة وبكة ـ فيما يقول العقاد ـ باسم البيت الذى بنى فيها , لأن البك والبكة كانا يُطلقان ـ فيما يقول ـ على البيت فى اللغة السامية الأولى .. ومنها « بعلبك » بمعنى بيت البعل . وربما كانت من مادة القربان فى السبئية والحبشية , ولا تسمى البلدة عندهم باسم القربان فيها إلاَّ إذا أصبحت حجة لقصادها من المؤمنين بكعبتها .

   وفى مقاييس الكعبة شاهد ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ لا يجوز إهماله عند البحث فى أصل بنائها , فإنها قد بنيت مرات كما هو معلوم . وكان البناة فى كل مرة يحافظون ما وسعهم على معالمها القديمة , وقد تعّذر عليهم أن يحافظوا على أبعاد جوانبها لدخول
« الحِْجر » ( بكسر الحاء ) أو الخروج منه . وحافظوا على ارتفاعها ( 15 مترا أو 27 ذراعًا ) وارتفاعها الآن هو ذات الارتفاع , وجاء فى تحقيق الخبير المتخصص فى المقاييس الأثرية : الأستاذ « جريفس
Greaves » أن الارتفاع الآن لا يزيد عن ذلك الارتفاع إلاَّ بمقدار بوصة .

   وهذه القرائن المتجمعة يجب أن تستوقف نظر الباحث المتجرد المنزه عن الغرض , وأوكد ما فيها أنها تدفع « الغرابة » التى رآها البعض فى رحلة إبراهيم إلى الحجاز .

   وقد جاء الإسلام مثبتا لهذه الرحلة , وأثبتها ولا شك بعد أن ثبتت مع الزمن المتطاول , لأن انتساب أناس من العرب إلى إبراهيم ـ قد سبق فيه التاريخ كل اختراع مفروض , ولو كان بوسع إسرائيل لأنكرت انتساب العرب إلى إبراهيم , ولو كان الأمر أمر اختراع لما أساغ العرب الانتساب إلى أبناء إبراهيم من جارية مطرودة , فليس هذا غاية ما يدعيه المنتسب لو كان الأمر أمر اختراع .                        ( يتبع )

 

One thought on “فى مدينة العـقاد ـــ (166) ـــ إبراهيم الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *