فى مدينة العـقاد ـــ (165) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الجنوب

     من المنكرين لوجود إبراهيم ، من أقروا بوجوده ولكنهم أنكروا أن يكون قد اتجه إلى الجنوب ، وأنكروا فيما أنكروه ما جاء بالمصادر الإسلامية من أخبار إبراهيم فى الحجاز ، وعلق بعض المؤرخين الغربيين على هذه الأخبار بشئ من الدهشة والاستنكار . فخصص الأستاذ العقاد فصلا عن « الجنوب » ليبسط فيه أدلة مقدم إبراهيم إلى الحجاز ، ويرد على دهشة المندهشين أو استنكار المستنكرين ، آخذًا عليهم أنه يبدو من أسلوب نقدهم أو استنكارهم ، أنهم يكتبون لإثبات دين وإنكار دين ، ولا يفتحون عقولهم للحقيقة المجردة حيث تكون ، فضلا عما يوجبه الاجتهاد فى طلب الحقيقة .

     ومن الكتب الضافية التى قرأتها فى سيرة إبراهيم ، كتابٌ للأستاذ محمد محمد الحسينى أحد علماء الأزهر ، نشر عام 2005 على جزءين ضمن سلسلة البحوث الإسلامية التى يصدرها الأزهر الشريف ( السنة السادسة والثلاثون .. الكتابان الرابع والخامس ) . وقد راقنى جدًا وأشبعنى هذا الكتاب الذى اختار له العالم الأزهرى عنوان « أحداث فى حياة سيدنا إبراهيم » . وتضمن بحوثا نفيسة فى سيرة الخليل ، ميلاده ، وتحطيمه الأصنام ، ومحاكمته ، والقاؤه فى النار التى جعلها الله بردًا وسلامًا على إبراهيم ، وهجرته إلى الأرض التى بارك الله حولها ومعه زوجته « سارة » و« لوط » ابن أخيه ، وكيف أراه الله ملكوت السموات والأرض ، ورحلته إلى مصر ، وقوله عليه السلام لربه عز وجل أرنى كيف تحيى الموتى ، ثم ميلاد إسماعيل ، وانتقال إسماعيل صحبة أبيه وأمه هاجر إلى موضع مكة بالحجاز فى الجنوب ، وما جاء فى أقوال المفسرين عما جرى فى مكة عند الطبرى وابن كثير والقرطبى ، وما جاء فى الفتوحات الملكية لابن عربى وتفسير الجلالين للسيوطى ، وقصة المنام والذبح والفداء ، عند المؤرخين ، وعند المحدثين ، وعند المفسرين : القرطبى ، والطبرى ، والفتوحات الإلهية ، وابن كثير ، والفخر الرازى ، وصفوة التفاسير ، ثم لينتهى إلى أن الذبيح كان إسماعيل وليس اسحق ، وبيان مقاصد الآية : « وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا » ( البقرة 124 ) وأخيرًا إن إبراهيم كان أمة .

     على أن هذا الكتاب النفيس يخاطب المسلمين ، وقد لا يقنع سواهم ممن يعترضون على اتخاذ الآيات القرآنية والمصادر إسلامية سندًا أو مصدرًا للبحث ، وهو ما كان قد واجه علماء الكلام فى القرن الثانى الهجرى ومائلاه ، وعلم الكلام هو علم بيان الأدلة على صحة العقائد الإيمانية للرد على الملحدين والمنكرين والمجادلين ، مراعيًا الرد عليهم بحجج مبناها العقل المستند إلى المنطق أساسًا ، وقد عُرِفَ لاحقًا بعلم التوحيد وعلم العقائد وعلم أصول الدين ، ومن العلماء من اعتبره إرهاصًا للفلسفة الإسلامية .

     ومن هنا تبدو حكمة وغاية الأستاذ العقاد وصوابه فى تحديد منهجه فى كتاب الخليل ، فقد أختار أن يتوسع ـ كما رأينا ـ بالرجوع إلى كافة المصادر ، فلم يحصر بحثه فى المصادر الإسلامية وحدها ، فنظر فى المراجع الإسرائيلية وما ورد بالعهد القديم والكتب الملحقة به ، نظرة واعية مدققة أوضحت وفرزت وصوبت ، ونظر فى المراجع المسيحية ، ثم فى المراجع الإسلامية ، واستطرد إلى النظر فى مراجع « الصابئة » ، وفى مصادر التاريخ القديم ، ثم فى الأحافير وما دلت عليه .

     وتوسع الأستاذ العقاد بتنويع مصادره ، أعطاه إحاطة وأعطاه أيضا القدرة على الترجيح والاستخلاص السديد ، وهذه هى القيمة المضافة فى كتاب الأستاذ العقاد عن الخليل .

     وأوضح الأستاذ العقاد أن الغرابة ليست فى اتجاه الخليل إلى الجنوب والحجاز ، وإنما الغريب استغراب هؤلاء مع إقرارهم بأن إبراهيم « طوَّاف » طاف بأنحاء العالم المعمور ، فذهب إلى الشام ، ومصر ، وما بين النهرين ، فلماذا إذن الوقوف بلا سبب دون الجنوب ، وبرغم تجدد الأسباب التى تدعو ودعت الخليل إلى الاتجاه جنوبًا .

     لم يكن لإبراهيم وطن عند « بيت المقدس » ، سواء وطن السكن أو وطن الدعوة أو وطن المرعى ، فالمتواتر من روايات التوراة ما مَّر بنا من أنه لم يكن لإبراهيم مدفن فى بيت المقدس حين توفيت زوجته « سارة » ، وهذا ليس شأن المقيم الذى يتوازى مدفنه مع داره حيث يقيم ، ولذلك أشترى إبراهيم مدفنًا من بعض الحيثيين ليدفن زوجته سارة فيه .

     أما الدعوة الدينية ، فكانت الرئاسة فيها لأحبار « ايل عليون » ، وكان إبراهيم يقدم العشر أحيانًا لهؤلاء الأحبار .

     وما كان مع إبراهيم أتباع آنذاك يخرجون فى طلب المرعى ، وبذلك تتجمع الأدلة على أنه لم يكن للخليل هناك ـ وطن السكن أو وطن الدعوة أو وطن المرعى ، وهكذا كان إبراهيم يعمل فى أكثر أيامه ـ كما تواترت أنباؤه فى سفر التكوين ، مما لا غرابة معه أن يتجه إلى الجنوب .

     ثم كانت هناك أسباب دينية غير هذه الأسباب الدنيوية ، يذكر العقاد أنها كانت توحى إلى إبراهيم بالمسير نحو الجنوب ، حيث يستطيع هناك أن يبنى لعبادة الله هيكلاً غير الهياكل التى يتولاها الكهان والأحبار من سادة بيت المقدس فى ذلك الحين .

     إن العجب إنما يكون فى ألا يخطر قط فى نفس إبراهيم ، بحكم الرسالة والزعامة ـ أن يكون على أهبة الرحلة والاستطلاع ، بل وإن الخاطر الصحيح خليق بأن يتجه به إلى الجنوب .

     ويذكر الأستاذ العقاد أنه يثبت ويتضح من تواتر روايات التوراة والمشنا والتلمود ـ أن اللهج بيت المقدس إنما جاء متأخرًا بعد عصر إبراهيم وعصر موسى بزمن طويل ، فبعد موسى بعدة قرون بقيت أورشليم فى أيدى « اليبوسيين » ، ولم يُطردوا منها حين استولى عليها « بنو بنيامين » فظل اليبوسيون يسكنون بها إلى الأيام التى كتب فيها سفر القضاة بالعهد القديم . ثم تغلب « بنويهوذا » على المدينة فدمروها وأحرقوها ، ولكنهم لم يقيموا فيها ، فعاد إليها اليبوسيون وجددوا بناءها وسكنوها إلى أيام « شاؤول » . ثم بعد سنين استولى عليها داود واتخذها عاصمة ، وورث ملكه ابنه سليمان الذى بنى الهيكل . وبعد هذا جاء ملك من ذرية ابراهيم وهو « يهواش » الذى هدم سور المدينة واخذ كل الذهب والفضة وجميع الآنية الموجودة فى بيت الرب وفى خزائن بيت الملك ، ورجع إلى السامرة ، ( سفر الملوك الثانى 14 : 1 ـ 16 ) ، ثم اضطج « يهواش » مع آبائه ، أى مات مرضيًا عنه ..

(يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *