فى مدينة العـقاد ـــ (164) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

العصر

     معظم المؤرخين فيما يورد الأستاذ العقاد ـ يعينون تاريخ إبراهيم فى زمن متوسط بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر قبل الميلاد , ويجعلونه معاصرًا لدولة الرعاة فى مصر ودولة العموريين فى العراق .

   ومولد الخليل فى هذه الفترة ترجحه الكشوف والأحافير , كما ترجحه النتائج التى تمثلت فى سيرته عليه السلام , وكلها دلائل تنازع السيطرة وتنازع العقائد واضطراب الأمور والاضطرار إلى الترحال الدائم من أور إلى أشور إلى فلسطين إلى مصر إلى بيت المقدس إلى صحراء الجنوب .

   ويرى الأستاذ العقاد أن عشيرة الخليل كانت صغيرة ولا شك بالقياس إلى العموريين والرعاة وسائر القبائل التى كانت تحتل آنذاك بقاع الهلال الخصيب . ويدل على ذلك هجراتها المتكررة .

   ويسوق العقاد عددًا من الحوادث الدالة على قلة هذه العشيرة , ويشير ضمن مراجعه إلى ما ورد بسفر دانيال بالعهد القديم عن قيام العبادات مع قيام السلاطين , وما حفظته لنا الألواح الأشورية .

   ووجود الخليل فى عصر كذلك العصر ـ حقيقة لا غرابة فيها , ولا محل فيها لاختراع المخترعين .

النشأة

   من الحقائق ما قد يفوت السامع لأنه على قربه لم يلتفت إليها .

   ويتمثل الأستاذ العقاد لهذه الحقيقة بحديث جندى أوروبى حارب فى الحرب العالمية الأولى فوصف بلدان الشرق بأنها « مباءة السوء » , ثم أخذته الدهشة حينما نبهه من يحدثه إلى أن ديانة المسيح التى يدين بها ويستمع إلى إنجيلها ـ قادمة من هذا الشرق . فاندهش الجندى دهشة بالغة حتى بدا وكأنه يسمع بذلك لأول مرة .. مع أنه معروف وذائع .

     وأصح نسب يُنسب إليه إبراهيم , أنه نسب عربى , فلا يُقال عنه إنه إسرائيلى لمجرد أن حفيده يعقوب تَسَمَّى بإسرائيل , ولا يُقال عنه إنه يهودى لمجرد أن اليهودى صار ينسب إلى « يهودا » رابع أبناء يعقوب , ولا يُقال عنه إنه عبرى .. فلم تكن العبرية قد انفصلت فى أيامه عن سائر اللغات السامية .

   وقد يقال إنه « سامىّ » أَخْذًا بأنه ينتمى إلى « سام بن نوح » , ولكنها نسبة إلى جد وليست نسبة إلى قوم , وقد تكلم باللغة السامية أناس كالأحباش ليسوا من السريان , ولا من الآراميين ولا الحميريين .

     ويرى الأستاذ العقاد أن التفتيش عن نسب لإبراهيم ـ يؤكد أن أصدق ما ينسب إليه النسبة العربية , وكانت العربية يومئذ بين جزيرة العرب وبقاع الهلال الخصيب .

     وأصح التقديرات ـ فيما يرى ـ أنه نشأ فى أسرةٍ حديثة العهد بالهجرة من شمال اليمن إلى جنوب العراق , وكانت هذه الأسرة مع الذين جاءوا مما يسمى « أرض البحر » وفقًا لتسمية البابليين لمن كانوا يقيمون على مقربة من الخليج الفارسى ـ العربى الآن . ومن جملة أخبار إبراهيم يتبين أنه عليه السلام قد نشأ على مفترق الطريق بين جميع العهود ..

   مفترق الطريق بين عهد الكهانة وعهد النبوة . ومفترق الطريق بين إباحة القرابين البشرية وتحريمها . ومفترق طريق بين تعديد الآلهة والتوحيد . ومفترق طريق بين الإيمان « بالهاوية » والإيمان بالخلود فى الحياة الآخرى .

 ومفترق طريق آخر , كان فى عبادة الأسرة الواحدة , فلم تلبث الأسرة الواحدة أن تختلف بين طريقين : أب وابنه , وأخ وأخوه .

   وتاريخ بابل يؤيد ذلك , فهو يومئ إلى عصر قريب من القرن التاسع عشر قبل الميلاد ويصح أن تقترن فيه جميع هذه الطرق , وهو هو عصر مولد الخليل إبراهيم .

     ويضيف الأستاذ العقاد أنه لعل الصابئة كانوا فى ذلك العصر يدينون بالبقايا المصفاة من هذه العبادات , ولعلهم خلطوا من أجل ذلك بين إنكار الكهانة وإنكار النبوة , فإذا جاءهم إبراهيم بأول دعوة نبوية لم يميزوا بينه وبين الكهانة التى أنكروها على كهان الهياكل المتداعية والمحاريب الدائرة , ولعل إبراهيم قد يئس منهم فاتجه إلى قبلتهم العليا شمالا حيث كانوا يتجهون إلى نجم القطب أثبت النجوم , عسى أن يستمع إليه أصحاب القبلة , وأن يكونوا على استعداد للتفرقة بين الكهانة والنبوة , فلا يشق عليهم أن يفهموا وحى الله إلى النبى كما شق عليهم أن يفهموا أن الكهان يتلقون الوحى من الله . وليس بالعسير علينا فى العصر الحاضر أن نصوًّر لأنفسنا معيشة أبناء العشائر بين الحاضرة والبادية .

     ثم يضيف الأستاذ العقاد أنه إذا صح أن أبا إبراهيم كان أمينًا لبيت الأصنام وكان يصنع الأصنام على يديه فليست الحنكة وحدها هى التى تدعوه إلى المحافظة على تقاليد العبادة القائمة , بل له مع الحنكة داع آخر من المصلحة والمنزلة الاجتماعية , ويغلب إذن أن يكون إبراهيم قد تربى للإمامة الدينية وتعلم العلوم التى كانت شائعة بين طبقة الرؤساء الدينيين ومنها علم الفلك والطب والتعاويذ ورقى الأسماء .

   واسم إبراهيم من الأسماء التى تنبئ عن نشأة دينية , لأنه ـ على أرجح معانيه ـ يفيد معنى حبيب الله .

   وبعد , فسوف يأتى الكلام عن معجزات إبراهيم فى موضعه , وشواهد الإنفراد بعقوبة الإحراق فى قصة إبراهيم دون قصص باقى الأنبياء .

(يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *