فى مدينة العـقاد ـــ (163) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الخلاصة

     يخرج الأستاذ العقاد مما بحثه واستعرضه من معالم الطريق كما رسمتها المصادر القديمة والتعليقات ، بالبدء فى تلخيص السيرة على هدى تلك المعالم .

     وأول ما يخرج به ، أنه يحق لنا أن نقرر أن سيرة الخليل أقوى حجة من كل قرينة شك فى وجوده ينتحلها من يزعمون الحديث باسم العلم ، والعلم مما ينتحلونه براء .

*       *       *

     والدعوات النبوية التى بدأتها دعوة إبراهيم سلالة لم يظهر لها نظير فى غير الأمم العربية ، والأمم السامية . وقد ختمت بدعوة محمد عليه الصلاة والسلام التى جاءت متممة لها ، فلا تفهم دعوة واحدة منها منفصلة عن سائرها ، بترتيب كل منها فى زمانها ، وعلاقة كل منها بمكانها .

     وقد لاحظنا كيف نشأت هذه الدعوات حول مدن القوافل حيث نشأ الخليل إبراهيم
عليه السلام . فهى نشأة كانت لازمة فى موقعها وفى عصرها .

     ومن قرائن النبوات ـ أن هذه الدعوات نسبت إلى أصل واحد هو السلالة السامية ، وقبل أن يعرف الناس علم المقارنة بين اللغات ، وقبل أن يعرفوا علامات الوحدة فى التصريف والاشتقاق وقواعد النحو وحركات النطق ، ومن ثم فلم يكن فى وسع القائلين بوحدة أصلها من مئات السنين أن يخترعوا هذه النسبة .

*       *       *

     وعلم المقابلة بين الأديان حديث بدوره كعلم المقابلة بين اللغات ، فإذا جاء هذا العلم مطابقًا للأخبار الأولى عن ديانة القوم فى عصر إبراهيم ـ كان ذلك قرينة ثبوت لا قرينة
شك .

     ولم يكن من السهل أن توجد فى وطن واحد عبادة الكواكب وعبادة الأصنام وعبادة الملوك ، وأن تتعدد الأرباب مع تميز كل رب منها على سائرها .

     ليس من السهل أن يوجد هذا الخليط من العبادات فى وطن واحد ، ولا يمكن اختراع هذه العبادات جميعا ـ ما لم تكن حقيقة واقعة .

     ولم نعلم اليوم هذه الحقائق إلاَّ بعد أن فككنا ألغاز الكتابة واستخرجنا أسرار الأحافير ، ومن ذلك علمنا تسلسل العبادات واختلاف السكان والحدود .

     علمنا اليوم أن عبادة القمر كانت سابقة لعبادة الشمس خلافًا لبادرة الظن أن الشمس أكبر وأحق أن يبدأ بها فى العبادة .

     وفى القرآن الكريم : « فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ » ( الأنعام / 76 ـ 78 ) .

     ومما علمناه اليوم أنهم أقاموا للكواكب تماثيل لا تغيب عن أبصارهم إذا غابت الكواكب ، فعبدوها مع عبادة الكواكب على سبيل التقريب والتمثيل ..

     وفى القرآن الكريم « إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ »
( الأنبياء / 52 ) ..

     وفيه : « قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ » (الصافات /95 ، 96) .

*       *       *

     وما علمناه اليوم من مقابلات الأديان ، أن التوحيد جاء بعد تعديد الأديان وتمييز كل واحد منها ، وأن أهل بابل خاصة كانوا يرون فى قصة الخليقة أن الإله الأكبر خلق الأرباب كما خلق سائر الموجودات من الأحياء وغيرهم . ويروى القرآن المجيد أطوار التوحيد البدائى فى كل أمة .

         يقول سبحانه وتعالى : « فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ » ..
( سورة الأنبياء / 58 ) .

     وفى القرآن : « قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ » (الأنبياء / 62 ، 63 ) .

     أما عبادة الملوك فى بابل القديمة فنحن نعلم اليوم أنهم كانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم هبطوا من السماء بعد الطوفان ، لأننا قرأنا الآثار وكشفنا عن الأحافير ، وادعاء الملوك أنهم آلهة يملكون زمام الحياة والموت وارد فى القرآن الكريم : « إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ » . (البقرة / 258 )

*       *       *

     ينتهى الأستاذ العقاد إلى أن الاختراع لا يمكن أن يجمع بين هذه الحقائق المتفرقة عن عبادات القوم المتعددة التى مرت بنا ..

     وذلك يستحضر فيما يقول ـ ما أبداه فى مقدمة الكتاب من أن الشك فى وجود إبراهيم لا يستند إلى سبب ، وأنه يحق لنا بعد ما بحثناه واستقصيناه أن نقول ـ على الأقل ـ إن أسباب ثبوت وجود الخليل أقوى وأظهر من أسباب الشك جميعا ، إنْ كانت له أسباب !

(يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *