فى مدينة العـقاد ـــ (161) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

عبادة الملوك

        فى المتحف المُهْدَى إلى جامعة أوكسفورد بإنجلترا سنة 1677 من « أشمول Ashmole » أسماء الأسر التى حكمت بابل بعد الطوفان إلى أيام « سراجون » (سراجون الأكادى أو الأكدى وهو ملك من أصول سامية ولد سنة 2300 ق. م وقصة ولادته تشبه قصة ولادة موسى عليه السلام ـ رجائى) ، وذكر الأستاذ العقاد أنه جاء فى الألواح التى حفظت أسماءها أن الأسرة الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكًا وكانت مدة حكمهم جميعًا أربعة وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سـنوات . (مدة تـاريخ البشـرية كله لا يصل إلى ثلث ذلك طبقًا لرواية العهد القديم ـ رجائى) .

     وكتاب الألواح مجمعون فيما ينقل إلينا الأستاذ العقاد ـ على أن الملوك الأوائل الذين حكموا بعد الطوفان قد هبطوا من السماء إلى الأرض لحكمها بعد أن قهرها الله وعاقبها على فسادها ..

     فهم أرباب سماويون تجب عبادتهم على الرعايا .

     وأشهر من حكم منهم فى مدينة « أور » : « أورنامو ur Namm » صاحب الصرح الشاهق الذى أقيم لعبادة القمر ، وله تمثال نقل إلى متحف بنسلفانيا فى الولايات المتحدة الأمريكية .

     وقد خلفه ابنه « دنقى » أو « شلقى » ـ على حسب اختلاف المنقبين فى أساليب ترتيب الحروف والنطق بها ـ وهو أحد العواهل السومريين الذين فرضوا عبادتهم على جميع البلاد توحيدًا للدولة ، وزوج ابنته لأمير عيلام (غير بعيدة من السلمانية فى بلاد الكرد فى العهد الحاضر ـ العقاد ) ليضم إليه الأمارات المجاورة ، فامتدت مملكته من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال بوادى النهرين ، ويقدر المؤرخ المتخصص « باتريك كارلتون » أنه تولى الملك نحو سنة 2276 ق . م

     ولم يتعاقب على « أور » فيما يورد العقاد ـ كثيرون من هؤلاء العواهل ، إلاَّ أن مدينة « أور » عرفت عبادات شتى غير عبادة القمر وعبادة العواهل ، ومن هذه العبادات عبادة الأسرة بدلاً من الدولة ، وشاعت هذه العبادة مع ضعف الدولة وسقوط هيبتها وقلة الرغبة فى الإنفاق على الضحايا والقرابين ، فاكتفى الناس بدفن الموتى فى بيوتهم ، وأبرزت أعمال الحفر وجود طبقة بعد طبقة من أعماق الأرض وأعماق التاريخ فى وقت واحد، ومن قيمة القربان تبدو قيمة الثقة بالأرباب أو تطور العبادة بين الماديات والمعانى الروحية ..

الضحايا البشرية

     وتدل الأحافير فيما يقول الأستاذ العقاد ـ على قدم الضحايا البشرية فى العبادات التى سبقت عهد الساميين بوادى النهرين وبقاع الهلال والخصيب ، وأنها بقيت على ما بعد وقود الشعوب السامية إلى تلك البقاع .

     وتدل الأحافير فى مدينة « أور » على قدم تلك العادة فى عبادة الملوك خاصة ، إذ كان الملوك يدفنون ومعهم حاشيتهم ووزراؤهم الذين لا يبدو من هيئة جثامينهم أنهم ماتوا على الرغم منهم . ولهذا يعتقد « وولى » فى كتابه « أور الكلدانيين » أنهم كانوا يتجرعون السم باختيارهم ، لإيمانهم بالانتقال مع الملوك الأرباب إلى حالة فى السماء كحالتهم فى الحياة الأرضية .

     ووجدت على بعض أختام الطين ـ فيما ينقل لنا العقاد ـ صور آدميين يلبسون قناعًا يشبه رأس الحيوان ، والمظنون أن هذا الزى كان مقدمةً للذبح الرمزى وإجراء الشعائر .

     ووجد فى حفائر « أور » تمثال جدى مربوط مقيد فى شجرة ، ولعله رمز لاستبدال الضحية الحيوانية بالضحية البشرية .. وتاريخ هذا التمثال فى تقدير « وولى » سابق لعصر الخليل بألف وخمسمائة سنة .

     بيد أن الضحية البشرية بقيت إلى ما بعد أيام موسى عليه السلام ، ويتضح هذا من الإصحاح الثانى والعشرين فى سفر الخروج حيث حرم على بنى إسرائيل أن يعطوا أبكار أبنائهم قربانًا إلى الله . (الخروج 22 : 28 ـ 30).

الختان

   عن مقولة لهيرودوت نقلاً عن الفينيقيين والسوريين ، أورد الأستاذ العقاد أن هؤلاء قالوا إنهم أخذوا عادة الختان من المصريين ، الذين تحروا بها النظافة والطهارة .

     ويرى الأستاذ العقاد أن المقارنة بين العادات تدل على أن عادة الختان اختصار لعادة الضحية البشرية .. فكانت قطع الأعضاء على محراب الآلهة بديلاً لقتل الأسرى ، وتدرج القطع الذى بدأ بالرجال من قطع الأعضاء إلى قطع الغلفة .. ثم انتقل الختان من اعتباره علاقة تسليم لإله الأعداء إلى التسليم للإله الذى تعبده القبيلة .

     ومن بقايا العادات الأولى أن « شاؤول » اشترط على « داود » أن يقدم له مائة غلفة من الفلسطينيين مهرًا لابنته « ميكال » ، فقدم له مائتين كما جاء فى الإصحاح الثامن عشر من سفر صموئيل الأول ( 18 : 17 ـ 28).

     ويقول الأستاذ العقد إنه ليس صحيحًا أن الإسرائيليين اعتبروا الختان علامة لهم تميز الإسرائيلى ، وإنما الصحيح أنهم اعتبروه علامة تسليم لربهم ، وفرضهم المكابيون على الأدومين والأتوريين حين هزموهم ، وجاء فى الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التكوين أن أبناء يعقوب أوجبوا على الرجل الذى اغتصب أختهم دينًا أن يختتن هو وقومه الكنعانيون. (القصة بسفر التكوين 34 : 1 ـ 17)

المعابد والمحاريب

     لم يعرف عن قوم إبراهيم أو المنتسبين إليهم أنهم أقاموا لهم هيكلاً قبل الهيكل الذى بناه سليمان عليه السلام .

     وكان إبراهيم يبنى المحاريب ـ فيما يقول العقاد ـ على الأماكن العالية ويختار لها موضعًا إلى جوار الشجر والماء ، ثم تعددت المحاريب فتعددت المعبودات .. ثم خلطوا بين أرباب كل إقليم فعبدوا الأوثان التى كان يعبدها أبناء البلاد الأصليين من قبلهم .. ثم اجتمعت كلمة الحكماء على تحريم بناء المحاريب فى الأماكن العالية ومقر العبادة والقربان والمراسم الكبرى على هيكل واحد كان فى مبدأ الأمر خيمة ثم بنى بالحجارة على رسم الخيمة .

     ولم يكن هذا هو الأثر الوحيد من آثار نظام المعابد فى بلاد بين النهرين ، فقد بقيت عبادة الأسرة زمنًا طويلاً ممثلةً فى عبادة الأوثان التى كانت تسمى بالطرافين ، وكانوا يعتقدون أن حيازة الطرافين تحفظ لمن يحوزها حقوق الأسرة من الرئاسة إلى البركة والميراث .

( يتبع )

One thought on “فى مدينة العـقاد ـــ (161) ـــ إبراهيم الخليل

  1. ماأشبهك بسيدنا موسي إذ رأي ناراً فقال لأهله أمكثوا أني أنست ناراً لعلي أتيكم منها بقبس أوأجد علي النار هدي ..فهكذا ياسيدي رأيت نار التنوير بكتب عملاق الأدب والفكر فأتييت لنا منها بقبس .. بوركت .. وجعل الله مثوي العقاد الجنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *