فى مدينة العـقاد ـــ (160) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

العقائد والشعائر

( قبل إبراهيم )

   أخذ الأستاذ العقاد يحصى ويستعرض العقائد والشعائر من الألْف الثالثة إلى الألْف الثانية قبل الميلاد ، التى اتبعها أناس من أتباع العقائد أقاموا بالبلاد العربية فى تلك العصور . وكان مركزها الأكبر فى بلاد النهرين ، فمنهم من عبد الكواكب ، ومنهم من عبد الملوك ، ومنهم من عبد قوى الطبيعة ، ومنهم من عبد الأرباب العليا التى عمّت عبادتها بين رجال الدولة ، أو الأرباب المحلية التى يدين بها كل إقليم على حدة .

     وقامت الشعائر على اختلافها مع كل دين ، فعرفوا الضحايا البشرية كما عرفوا القرابين ، وعرفوا الصلوات فى الهياكل بقيادة الكهان ، كما عرفوا الصلوات فى البيوت أو فى المدافن الملحقة بها . وعرفوا الديانات التى تؤمن بالروح والجسد ، والديانات التى تؤمن بالجسد ولا تذكر شيئًا عن الروح ، أو التى تؤمن بأن الروح لاصق بالأعضاء
فلا ينتقل إلى العالم الآخر ما دام للجسد بقية باقية .

     وهناك طائفة من العقائد والشعائر التى كان لها علاقة بدعوة إبراهيم ، يرى الأستاذ العقاد أنه ينبغى النظر فيها قبل التصفية التى يخلص منها إلى رسالة إبراهيم ورسالة الخالفين له من بعده .

قصة الخليقة

   وجدت قصة الخليقة منقوشة بالخط المسمارى على الألواح التى عُثر عليها عند مدينة الموصل ، ونقلت إلى المتحف البريطانى بلندن ، وتعاون المفسرون على تفسيرها بما خلاصتها :

   « كان الأفق الأعلى لا يسمى بعد بالسماء ، وكان الأفق الأدنى لا يسمى بعد بالأرض ، ولما تفتح الهاوية ذراعيها

   « وكان الماء يغمرها جميعًا ، وليس من إنسان ولا حيوان يجوس خلالها

   « وولد يومئذ أقدم الأرباب لخم ولاخمو

   « ثم ولد آشور وكيشور »

     ويلى هذا بعد كلام مفقود أو مطموس فى الألواح المكسورة كلام عن الخلق فى اليوم الرابع حيث صنع منازل لأعظم الأرباب ، وصنع بروج الفلك على صور الحيوان ، وقسم السنة إلى أربعة فصول ، وإلى اثنى عشر شهرًا فى كل فصل منها ثلاثة شهور ، وجعل فيها أيام المواسم والأعياد

   « وصنع للسيارات منازل تشرق فيها وتغرب ، ولا يصدم بعضها بعضًا فى الطريق ، ووضعها مع منازل بعل وحى

   « وأقام لها مواصد على جوانبها ، وأغلاقًا على اليمين واليسار

   « وأقام فى الوسط نيرين . أقام القمر يسيطر على الليل ويسير فيه إلى مطلع الفجر ، وقدس فى كل شهر أيامًا ، ليبرز فى غرة الشهر قرنية وينير أجواز السماء »

     ثم يلى هذا كلام ناقص عن اليوم السادس يتلى بعد إتمامه على الوجه الآتى :

« واجتمعت الأرباب وخلقت الوحوش والأنعام والدواب ، ومنها جماعة بيتى ( أنا أشور السماء ) .. وكانت فيه بهجة

« والإله المشرف جعل فيها اثنين .. »

 

*         *         *

     وفى المتحف البريطانى لوح عليه صورة شجرة جلس إلى جانبها رجل وامرأة ، ووراء المرأة حيّة ، وقد بسطا يديهما إلى ثمرتين بأسفل الأغصان .

   وفحوى قصة خلق الإنسان فى هذه الألواح المسمارية ، أن الإله مردوخ فاتح الإله (ايا) رب الماء العذب فأفضى إليه أنه سيخلق الإنسان من دمه وعظمه ، وأمر حاشيته أن تضرب عنقه ليسيل دمه ، فنجم منه الإنسان ، ولم يمت الإله مردوخ لأن الإله لا يموت ، ولكن الإنسان قضى عليه بالموت بعد ذلك لأنه طمح بآماله إلى خلود كخلود الأرباب .

قصة الطوفان

     تؤلف قصة الطوفان البابلية من اثنى عشر فصلا على حساب البروج : وراوى القصة يُسمى ( اسوبار ) وقد عبر بحر الموت ليصعد إلى السماء ويلقِى « زستور » الذى ارتفع إليها بعد نجاته من الطوفان ، والباقى من ألواح هذه القصة فى المتحف البريطانى يحكيها على هذا المثال الذى يعتنى الأستاذ العقاد بروايته .

عبادة الكواكب

    ومن كلامهم عن الخليقة والطوفان ـ نفهم أنهم كانوا يؤمنون بإله عظيم خلق الآلهة الصغار وقدر لها منازلها فى السماء . وهذه الآلهة الصغار هى الأجرام العلوية ، وأشهرها القمر ، وقد عمّت عبادته بلاد الساميين ( أو العرب الأوائل ) من وادى النهرين إلى سيناء , ويسمونه سين ومنها أُخذ اسم سيناء .

     وكان له اسم علم فى وادى النهرين هو ( نانار ) هو الذى يتجهون إليه بالعبادة , وكان له مركز فى مدينة « أور » بلد الخليل إبراهيم , ومركز فى شمال العراق ومعه هناك إله آخر يسمونه مردوخ أو المريخ .

     وكانوا منذ أقدم العصور على عهد السومريين ( أو الشمريين ) يرفعون الصروح لرصد الكواكب واستطلاع الطريق , وهى الصروح التى يسمونها ( زجرات ) أو أماكن عالية . وكانت هياكلهم المبنية ترصد للأرباب السماوية , وتنصب فيها التماثيل بأسمائها , ومن هنا عبادة الأصنام .

   وأشهر الكواكب المعبودة بعد القمر ـ كوكب الزهرة ( عشتار ) وكوكب المريخ ( مردوخ ) . وينسبون إلى الزهرة أنها ربة الحب لتألقها وزهوها وتقلب أحوالها , وينسبون إلى المريخ أنه رب الحرب لاحمرار لونه كلون الدماء .

     على أنهم عبدوا الشمس قديما باسم ( شماس ) , ويقول « وولى » وهو من أشهر علماء الأحافير فى كتابه عن إبراهيم فيما ينقله إلينا العقاد ـ إن الآلهة كانوا عند السومريين على ما يظهر ثلاث طبقات :

     الآلهة العظيمة التى تخصص لها هياكل الدولة .

     والآلهة التى دونها وهى التى تقام لها المعابد فى مسالك الطرق .

     ودون ذلك آلهة الأسرة .

     والأغلب أن الآلهة العظيمة كانت تشخص قوى الطبيعة كالشمس والقمر والماء والأرض والنار والبرق والنضال والخصب والموت , وعندها تكمن جميع القوى ويكون التفوق فيها على حساب أحوال الربانية المتعددة .       ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *